"ثرثرة الحب الأخيرة"
الحب ليس مجرد شعور، بل حالة وجود،
يتقاطع فيها الأمل مع الألم، ويختلط فيها الصدق بالهروب.
وهذه الثرثرة الأخيرة ليست سوى محاولة صادقة
لاستعادة ما تبقى من الضوء بين ظلال اللقاء والفراق.
نعشق اليوم، وننسى يوم العشق بعد خمسين سنة.
لكن من حق العاشق أن يُبقي اليوم الأول حيًّا، مهما مرّت السنين.
نمرر التجارب كأنها شرفات…
فما أجمل أن نبقى على رصيفٍ من الذكريات،
تحت الأشجار، أمام نافذة تطل على البيت،
ندخل منها كطفلين نسيا المفتاح،
ويرتديان براءة الغد، ويحلمان بدفء الأمس.
⸻
ثرثرة الحب الأخيرة
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 24.08.2024 | نُقّحت في 26.07.2025
لن أُعطيك سوى ما تستحقه مني لتبقيني قربك،
ما عدت أعرف للفراق ميزانًا.
أنت هنا، أنا معك هناك، بين الغرفتين،
لا جدار… ولا باب.
لكننا لم نجد في المرايا أقل من البقاء.
من يكذب أكثر؟
والنفس لا تثق بمراياها،
حتى لو اشتعلت فيها وجوهنا.
القرب مني لا يعني اللقاء،
أمسك بيدي وشابك الأصابع،
لم أعد أؤمن بالكلام،
هل أبدعنا للحب حروفًا تخصنا؟
نثرثر كجدول تقاذفته العواصف،
مستمرٌ في الجريان رغم الصخور،
ولا يعبأ إن التوى أو استقام،
فليست الغاية أن ترى بعينيك لون الظلام،
الغاية أن تعلم كيف يتبدد
وأنت في سعادة الأيام.
لم يبقَ سوى القليل حتى تجف المدامع،
من سكبها سوى الكلام الذي كان بعيدًا
عن رمش العين،
متخفيًا تحت الحاجبين كأنه منفي؟
والحب نفسه كان يظن أنه سعيد،
وبهجته مضمونة في قانون الحياة،
فارتجف من دعوة لم تميّزه ليكون مجيبًا،
فصمت حتى صار حبّ القوالب
فيه عروقٌ من رخام.
لا تبحث في روحك عن أسلاك وزوايا،
فالجسد المحترق لا يحتمل المزيد من الجراح،
وأنت الشوك الذي يقتات على نفسه،
فلا تلتفت لما حولك من سراب،
ولا تلوّث شفافية الصدق بهمس الكذب.
فكل قطرةٍ منه تُشعل صدعًا
في زجاج الحقيقة.
كل ما تفتّق بين النداء وروعه البقاء يُخاط،
إلا نسيج الحب
فيه الرخام أقسى من الإبر.
أصغِ للحب كما لو كنت أوّل عشّاقه،
فلماذا تظل غريبًا في شرنقة العبث؟
وأنت تغرق… في تيهِ تردّدك.
ما أصعب أن يفشل العاشق بالرقص على شفتيه،
حين لا تذهب الكلمات لقلوب الأبرياء،
وتترك الحيرة تصغي للأنفاس.
اذهب بنفسك إلى الحدود التي تحيط بكيانك،
وعليك بالغضب إن أردت الهروب
من مرآة ضميرك.
اقلب صفحات قلبك وكتابك،
وابحث عن الضائع في زوايا نفسك:
ذاك الضمير، ذاك الخُلق، ذاك الإنسان،
الذي يناديه المظلوم على عتبات الأبواب.
نحترف الهروب إلى ما لا نعرفه،
حتى تساقطت القيم وبقيت الفوضى،
فكيف يفتح القلب أبوابه
لمن هدم جدرانه؟
كم مرة انكسر القلب،
ثم التصق بشريانه في قاع الحياة؟
لتستنجد الحياة بالحياة،
ونحن مبهورون…
من منا يوبّخ الآخر ليكون أيقونة؟
كل الطيبين قد هربوا من تحت غفوتنا،
بينما كنا نغفو في يقظتهم،
لا نفهم ما يريدون منا،
لكنهم لم يسقطوا من السماء،
ولا حملوا شيئًا أكثر من الأمل المفروض
بخفايا الغيب.
إذا استطاعت الشجرة أن تتكلم،
لكانت فهمتهم من تحت لحائها وابتسمت.
إذا كانت الطيور قوية بما يكفي لحملهم،
لكانت حملتهم، وعبرت بهم السماء،
تكريمًا لمن اخترق الموت
بحجر وقلم وحنان.
يكفينا أننا خسرنا وجوهًا كانت رائعة،
هذا الألم وحده ما تبقّى.
لقد مرّت الليالي،
ننتظر الخلاص الذي لا يأتي إلا من حبّ أخير،
فهو الوحيد الذي يبقى ليحمل
جميع الخطايا للغفران الذي نشتهيه،
حتى لو لم نُذنب… إلا بالانتظار.
لقد سقطنا، سقطنا، سقطنا،
ونحن غائبون…
لنعترف بملازمة الحزن
حتى تستيقظ خلايا الإدراك.
أنكر الصبر، وأكشف وجهي،
أنكر الوعود، وأخرج من ظلي.
أنكر هذا السلام المقتول
في قتلي.
لا يبقى سوى الغبار
لنصنع منه دواء اليقظة،
ونتمدد مثل قوس قزح
بين أرضين من غابتين،
وسماءٍ لنا.
كن حذرًا، يا حبيبي…
ذاك الذي هرب إلى البهجة
هو سيّدك الحر،
وهو أنت، في ثوب الحياة.
استدعه باسم “الإرادة”،
التي تقود الخطوات نحو الحياة،
ولا تلتفت للباقين الذين يسعون لدفنك
تحت أكوام الكآبة المُرّة.
فلولا الغباء، لما استُدرجت الشفقة،
ولما احتمى الندم بملامح الكآبة.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .