هي… حيثُ يَفْشَلُ التَّعْرِيفُ
نص أدبي
بهاء الشريف
⸻
✦ إهداء ✦
إلى كلِّ روحٍ لم تُقَلْ كاملةً…
فبَقِيَت أجملَ ممّا يُقال.
⸻
❖ ❖ ❖
المَلِكَةُ…
لَيْسَتْ مَنْ تَرْتَدِي التَّاجَ،
بَلْ مَنْ إِذَا مَرَّتْ…
تَسَاءَلَ التَّاجُ: لِمَنْ أَنْتَمِي؟
تَفْرِضُهُ حُضُورًا،
وَلَوْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ كُلِّ زِينَةٍ…
كَأَنَّ الزِّينَةَ، حِينَ تُلَامِسُهَا،
تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَكُونُ أَقَلَّ.
هِيَ الَّتِي
إِذَا صَمَتَتْ… تَكَلَّمَ الوَقَارُ بِاسْمِهَا،
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ—
أَنَّ الصَّمْتَ فِيهَا لَيْسَ غِيَابًا،
بَلْ لُغَةٌ لَمْ يَتَعَلَّمْهَا الضَّجِيجُ بَعْدُ.
وَإِذَا مَضَتْ…
لَمْ تَنْحَنِ التَّفَاصِيلُ فَقَطْ،
بَلْ أَعَادَتْ تَرْتِيبَ نَفْسِهَا
لِتَسْتَحِقَّ المُرُورَ بِقُرْبِهَا.
❖
قُوَّتُهَا لَيْسَتْ صَخَبًا،
بَلْ فَرَاغٌ مُحْكَمٌ…
يَسْقُطُ فِيهِ كُلُّ زَائِدٍ،
فَيَبْقَى جَوْهَرُهَا… بِلَا شَرْحٍ.
وَكِبْرِيَاؤُهَا لَيْسَ بُعْدًا،
بَلْ مَعْرِفَةٌ دَقِيقَةٌ
بِأَنَّ بَعْضَ القُرْبِ…
إِهَانَةٌ لِلرُّوحِ.
تَمْضِي…
لَا لِأَنَّهَا وَاثِقَةٌ فَقَطْ،
بَلْ لِأَنَّهَا جَرَّبَتِ الشَّكَّ،
ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ… دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ.
❖
تَعْرِفُ
أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ أَحَدًا…
لَكِنَّ المُفَاجَأَةَ—
أَنَّهَا لَا تُحَاوِلُ الِاخْتِلَافَ،
بَلِ الآخَرُونَ هُم مَنْ يَعْجِزُونَ
عَنْ بُلُوغِ بَسَاطَتِهَا.
وَكَأَنَّهَا خُلِقَتْ
لِتَكُونَ المَعْنَى
حِينَ تَعْجِزُ الكَلِمَاتُ عَنْ تَفْسِيرِ الجَمَالِ…
أَوْ لَعَلَّهَا خُلِقَتْ
لِتُرْبِكَ المَعْنَى ذَاتَهُ.
❖
هِيَ لَا تُقَارَنُ،
لِأَنَّ المَقَايِيسَ صُنِعَتْ لِغَيْرِهَا،
وَلَا تُخْتَزَلُ،
لِأَنَّهَا كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْ تَعْرِيفٍ
انْفَلَتَتْ مِنْهُ…
كَفِكْرَةٍ تُرَاوِغُ العَقْلَ
لِتُنْقِذَ القَلْبَ.
تَمُرُّ كَنَسْمَةٍ…
لَكِنَّهَا لَا تُنْعِشُ فَقَطْ،
بَلْ تُوقِظُ مَا ظَنَنْتَهُ انْتَهَى فِيكَ،
وَتَغِيبُ…
فَتَكْتَشِفُ أَنَّ الغِيَابَ عِنْدَهَا
شَكْلٌ آخَرُ لِلْحُضُورِ.
❖
وَهُنَا…
حِينَ تَظُنُّ أَنَّكَ أَمْسَكْتَ طَرَفَهَا—
هِيَ الَّتِي إِنْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ قَدْ فَهِمْتَهَا… اخْتَفَتْ،
كَأَنَّ الفَهْمَ بَابٌ… لَا يُفْتَحُ إِلَّا لِيُغْلِقَكَ.
فَتُدْرِكُ مُتَأَخِّرًا…
أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لُغْزًا لِتُحَلَّ،
بَلْ أُفُقًا…
كُلَّمَا اقْتَرَبْتَ مِنْهُ
اتَّسَعَتِ المَسَافَةُ.
❖
لَا تَبْحَثْ عَمَّنْ يَرَاهَا،
فَالرُّؤْيَةُ عِنْدَهَا امْتِحَانٌ،
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا…
كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْهَا.
هِيَ…
الَّتِي لَا تَمْلَأُ المَكَانَ،
بَلْ تُعِيدُ تَعْرِيفَهُ،
وَلَا تَأْخُذُ الضَّوْءَ،
بَلْ تَجْعَلُ الضَّوْءَ يُعِيدُ التَّفْكِيرَ فِي نَفْسِهِ…
كَأَنَّهَا خُلِقَتْ
لَا لِتَكُونَ الأَجْمَلَ فَحَسْبُ،
بَلْ لِتَكُونَ…
القِيَاسَ الَّذِي يَفْشَلُ الجَمَالُ فِي بُلُوغِهِ.
لَا لِأَنَّهَا تَسْعَى لِذَلِكَ…
بَلْ لِأَنَّهَا تَكُونُ،
فَيَنْشَغِلُ العَالَمُ
بِتَسْمِيَتِهَا.
⸻
❖ ❖ ❖
بهاء الشريف
القاهرة – ٦ / ٥ / ٢٠٢٦