انعكاس ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
وقف في المكان المخصص لتلقي الطلب.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل.
البرودة حادة بما يكفي ليصبح الوقوف فعلًا غير مريح، لكنها ليست قاسية حدّ الشكوى. شبورة خفيفة تزحف فوق الطريق، ومطر بالكاد يُرى، يترك أثره على الزجاج أكثر مما يترك صوتًا. أضواء السيارات ممدودة، وإشارات الانتظار الصفراء تومض بلا استعجال، كأن الوقت نفسه متردد.
ظهرت المرأة من العتمة، تجر حقيبة كبيرة، وتتبعها طفلتان.
لم تكن مسرعة، ولم تكن متباطئة.
كانت تمشي كما لو أن الوقوف ليس خيارًا.
فتحت الباب الخلفي، أجلسَت الطفلتين، ثم جلست بينهما.
تحركت السيارة ببطء.
في المرآة لمح وجهها.
عيناها دامعتان بلا بكاء.
نامت الطفلتان سريعًا، ورأسيهما على فخذيها. كانت ذراعاها تحيطان بهما بحذر زائد، كأن النوم قد يجعل الفقد أقرب.
لم يتكلم.
ولا هي.
بدت المدينة في هذا الوقت كمن استيقظ فجأة ولا يعرف السبب. الأرصفة خالية، المحال مغلقة، وكل شيء يبدو مؤقتًا. خرج زفيره أبيض، تكاثف لحظة ثم تلاشى.
عند العنوان، أوقف السيارة.
انتظر.
لم تنتبه فورًا.
قال بهدوء:
— وصلنا.
اعتذرت بصوت منخفض، وطلبت دقيقة لإيقاظ الطفلتين. ثم سألته، بتردد قصير، إن كان يمكنه مساعدتها في إدخال الحقيبة إلى مدخل العمارة.
حملها دون تعليق. شعر بثقلها أكثر مما توقع.
دفعت الأجرة.
نادَت على البواب.
مشت إحدى الطفلتين بجوارها، بينما حملت الأخرى على كتفها.
لم تلتفت.
عاد إلى السيارة.
وعلى ناصية الشارع لمح محلًا صغيرًا يبيع أسماكًا ساخنة في شطائر. بدا الضوء الأصفر دافئًا على غير العادة. طلب اثنتين، وانتظر.
اخترقت رائحة الزيت والسمك البرد، ومنحته إحساسًا غامضًا بالامتلاء.
استلم طلبه وتوجّه إلى السيارة.
كان زفيره الخارج من فمه كثيفًا، كدخان سجائر.
وقبل أن يفتح الباب، رآها.
خرجت من العمارة مرة أخرى، ومعها الطفلتان.
اقترب منها.
قال:
— هل نسيتِ شيئًا في السيارة؟ لحسن الحظ لم أتحرك بعد.
ترددت، ثم قالت بصوت أقرب إلى الهمس:
— هل يمكنك أن تعيدني؟
سكتت لحظة.
— أنا محرجة.. لا أملك مالًا.
نظر إليها.
لم يسأل.
قال:
— تفضلي.
ركبت السيارة، وعادت الطفلتان إلى المقعد الخلفي.
تحركت السيارة، ومع أول منعطف انتشرت رائحة الشطائر الساخنة.
فتحت إحدى الطفلتين عينيها:
— أنا جائعة يا أمي.
مد يده إلى الخلف وقدّم لهما الشطائر. حاولت الأم الاعتراض، همست بشيء لم يُسمع، لكن الطفلتين كانتا قد بدأتا الأكل.
سكتت.
أوقف السيارة إلى جانب الطريق.
نزل وعاد إلى المحل.
رجع بعد دقائق ومعه ست شطائر.
أخذ اثنتين، ووضع الأربع في يدها.
نظرت إليه طويلًا.
لم تشكره.
كان في عينيها شيء لا يشبه الامتنان، أقرب إلى انتباه حذر.
تحركت السيارة.
بدا الطريق أطول.
تكلّمت.
لم تبدأ من البداية، بل من المنتصف.
من صوت ارتفع أكثر مما ينبغي.
من يد لم تتوقف عند التهديد.
من باب أُغلق.
من بيت أمٍّ فُتح قليلًا ثم أُغلق بحجة الحكمة والصبر.
قالت إنها لا تعرف ماذا تفعل، ولا أين ستقضي الليلة.
كان يسمع.
لم يقاطع.
لم يقترح.
ترك الكلمات تمرّ وتستقر حيث تشاء.
عند العمارة، أوقف السيارة.
لم ينزل.
رآها تنزل هذه المرة ببطء.
لم تطلب مساعدة.
كانت الحقيبة تُسحب، لا تُحمل.
وعند باب السيارة،
تشبثت إحدى الطفلتين بثوب أمها،
وخرج الصوت واطئًا، مرتجفًا:
— أمي..
أنا خائفة من العودة إلى البيت.
شدّتها الأم بسرعة،
همست بشيء لم يصل إليه،
وأغلقت الباب.
تحركت السيارة،لكنها لم تبتعد.
أوقفها فجأة.
أدار المرآة.
لم يرَ المرأة.
رأى يدًا ترتفع.
بابًا يُغلق بعنف.
وصوتًا ينكسر ولا يخرج.
أطفأ الراديو.
كان الشارع شبه فارغ.
والساعة تقترب من الفجر.
جلس في السيارة.
أدار المحرك.
ظل الهاتف في يده لحظة أطول من اللازم،ثم ضغط رقمًا يعرفه عن ظهر قلب.
لم تطُل المكالمة.
جاء صوتها منخفضًا، مشدودًا،كأنها لا تريد للكلمات أن توقظ أحدًا:
— طردتني.
صمت.
— وما زالت آثار ضرب يدك على جسدي.
توقف نَفَسها لحظة.
— والأطفال..
يستيقظون من المنظر مذعورين.
انقطع الخط.
بقي الهاتف في يده،
بلا فائدة.
دار بالسيارة.
لم يكن القرار نقيًا.
كان مشوبًا بتردد، وخوف من أن يكون قد تأخر، وبخشية غامضة من مواجهة وجوه تعرفه جيدًا.
عند السادسة صباحًا، وقف أمام بيت والدة زوجته.
كان الضوء رماديًا؛ لا ليل ولا نهار.
طرق الباب بخفة، وانتظر.
فتحت الزوجة.
نظرت إليه دون دهشة كبيرة، كأنها لم تنم.
قال، بعد صمت قصير:
— لا أعرف ماذا أقول.
لم يضف شيئًا.
انحنى وقبّل رأس طفلتيه.
إحداهما لم تتحرك.
الأخرى أبعدت رأسها قليلًا، ثم سكنت.
جمعت الزوجة الطفلتين دون أن تنظر إليه.
وقفت جانبًا.
ظل المدخل مفتوحًا،
لكن الطريق لم يُفسَح له.
خرج.
لم يتأكد إن كان قد طُرد،
أم غادر المكان بإرادته.
جلس في السيارة.
أدار المحرك.
في المرآة،
ظل المقعد الخلفي ظاهرًا،
فارغًا.
تحركت السيارة.
وللمرة الأولى،
لم يعرف إن كان هذا الفراغ خفيفًا..
أم عبئًا جديدًا
سيتعلم حمله.
طارق الحلواني
يناير ٢٠٢٦