بين الفكين
هذه القصيدة رحلة في هوّة الإنسان المطرود من ذاته ووطنه، بين قسوة الواقع وغربة الروح. هي تأمل في الصراع المستمر بين القوة والظلم، بين الصمت والغفلة، وبين الانكسار والأمل. القارئ مدعو هنا لأن يكون شاهدًا على الانهيار والصمود معًا، وأن يرى ما يحدث “بين الفكين”.
⸻
بين الفكين
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 05.08.2023 | نُقّحت 29.08.2025
1
وما كنا هاربين، كنا مطرودين
من وطن وأعناب ورايات على القمم،
تركونا فقاعات وسط الانهيار.
حتى في عناقيد مرجان البحر،
نغفل عن لؤلؤٍ يتأرجح في الخلجان،
ونشهد تكالب الضباب الأبيض،
الخارج من زفير السماء، غير مبالٍ بوضوح النهار.
حتى الضوء انكسر،
أرخى نفسه على الضباب مصابًا بالفزع.
نتلكّأ…
نبحث عمّن يقول: “اغفلوا حتى يمرّ الوهم.”
من نحن؟
ونحن نمرّ، نعبر، وننظر، نترنّح تحت حجر السقام.
2
كانت كل الجهات مفتوحة،
كفم الحوت،
وفي بحرٍ من عواصف الفزع،
حيث تتوحّد اللوعة في الأفواه،
وتجفّ الوجوه من فرط الحيرة.
تبقى الغفلة ملاذًا أخطر من الصمت.
فنلوذ بالصمت، لعلّ الغفلة تُغفل عنا،
ونرى الفطنة تقاوم بين فكي القوة والظلم.
من ينصرنا ونحن بين الفكين، مطرودون بأصابع مكسورة؟
لم نرَ من يعيدنا إلى المدن السخيّة،
فصبرنا يومًا وليلة، وغفلنا عن اليوم التالي.
كم مرّة صلّينا الفجر دون فجر،
وخيّل لنا أن المأساة تكفي لبدء الانصهار،
والانصهار مع الخاسرين لكل شيء،
مثل ذوبانٍ في الصقيع،
وكلّ شيءٍ يفوح بعبق الخاسرين،
الواقفين على خارطة المكافآت،
لن يُنتج زعترًا بريًّا.
فلِمَ الورع في الكهوف؟
مَن يحمل كهفه… يدخل الوداع.
حملونا نعوشنا، وحملناها، حالمين بالعودة.
3
نحن المطرودون وصلنا عراةً من هول الضياع،
ونسينا رطوبة الفرح،
وصرنا نكتب بهباب فحم المواقد
مواقيت التنقّل والمطر،
وولادة العشب في شقوق الصخر،
وندون وقت المؤتمرات لنتعرّف على كذبٍ أرقى.
غرباء في أرضهم،
وهم ينتظرون الغيم…
كما تنتظر الخراف المطر،
غير عارفين أن المطر قد يأتي عاصفةً بلا عشب،
وتموج جموع الخراف بلا مأوى.
4
قتل المألوف في الحياة منذ ولادة البشر،
وقبول الخير والشر، وأعيدت المأساة.
والمألوف: صيام عن النزوات،
وإلغاء الأنانية،
لكي لا تترهّل الشعوب وتفترس آخر لقمة في الأخلاق.
حلمٌ كاد أن يشيخ في العقول،
ونتحوّل إلى صقور الموت،
نفترس أجنحتنا قبل الطيران إلى السماء النقيّة.
لا بد من الاصطفاف لنكون عظماء.
نحن مذنبون بلا جريمة،
وهم يقلّبون الوجوه والدفاتر،
ويتساءلون بلغط المتشكّكين:
هل كان لنا شيء أبهى من بهجتهم لنقتل؟
أم أننا مسحوقون من رذاذ العفن البشري،
الخارج من كهوف سوداء،
بعد تخمّر الغيظ واللؤم وحبّ الوجود المقلوب؟
5
لم نُكافأ في بستان الحصاد،
حتى لو زرعنا ما يكفي لخبز العسل في مواسم العيد.
قالوا: ابتعدوا، للجراد حقّ في خبزكم.
مشرّدون على حافّة اليقظة،
ونخشى السؤال،
قبلنا أم لم نقبل بقدرٍ يصوغه المجرمون،
نبقى على حافة النسيان وتحت مطرقة الذكرى.
وجوه لا تترك بصمات الوئام على عيوننا،
كانوا يتهيّأون لرسم الوقاحة على مزهريّة الورد،
استبدلوا كل شيء،
وجلسوا دوننا،
دون جملة تشير إلى أننا ننتظر معنى الوجود.
اختلفنا مع الغزاة، وتعثّرنا بالمتأهّلين للسيادة، بتاريخٍ انقضى،
وما كان لنا حق في تاريخ نكتبه.
اختلفنا مع لون العَلَم فوق بلاط الأسياد:
أهي بوصلة المستضعفين؟ أم بركة الشياطين؟
نصف ألفيّة مضت، ونحن نبتسم للغرباء،
ولم نمسك بشعاع ينطلق من الأفواه
ليضيء الأخلاق.
كيف نعبر من تحت غطاء ليس لنا؟
6
أغلقنا أنوفنا من كثرة المصائب،
حتى التهمنا صمتنا البريء،
لنرى يومًا آخر من أيام الصبر،
نحافظ على البقاء، كما وعدنا أنفسنا.
وعلى هذه الأرض نحبو حاملين دفئًا،
لنمسك شيئًا يدلّنا أننا أجمل من ظلالنا في وحشة السكون،
ونمسك بأملٍ لا ينام، رغم الخراب.
على وجه الأرض يحارب المجنون بقايا الظلال،
ويخسر في كل الحياة… ويُكافَأ لكونه معتوه.
لم نتعلّم الغفلة، ولم نكن غافلين،
لكننا عرفنا ما هو أقوى منا إن غدر،
والغدر حاسه منزوع من القيم.
نمضي، سادة الطرقات والأبواب،
وفي وجوهنا تبقى الأبواب تُغلق
كلما شكونا الغربة ولوعة العودة.
7
كم خشينا النوم لئلا نُوقَظ على صوت المأتم،
أوطان تتمزّق كالجريد،
طرائف، طوائف، وشيوخ قبائل،
يمتلكون ما يكفي… لنموت ألف مرة،
وبيدهم عقلهم الذي تجمّد عند الذين لم نراهم.
نرجو من الخوف أن يهدأ،
فإن افتُضح أمرنا به، صارنا عبيدًا بلا وعد أو وعيد.
طار سهمنا في الريح، وثقب الرجاء،
فصار نصف الفجيعة مشبوهًا،
ونصفها الآخر مغطّى بأمل سرّي.
سنبقى… ونبقى،
فلا كيل يولد إن لم يكن فيه النجاح للحق مصيرًا سرمديًا.
تعالوا نرسم حدودًا للانتظار،
لعلّنا نقترب أكثر من الحق.
مرّ ألف قطار، وبنوا ألف جدار،
أزالوا عنا المحطات والمخيمات،
وقالوا: تشرّدوا… مرات ومرات.
غرق البيت، وتفتّق الثوب،
وظهرت السواعد لوأد التراب في التراب.
مقززة هي روعتهم في التخبط،
ونحن… نمسك بالحياة كعنقود عنب.
8
نمقت التكهّنات، ونحرّق أصابع الزمن،
لتسقط عقارب الساعة، ويصير الضياع مشروعًا.
على أفواههم يرقص شيطان الكذب،
ولم أعد أميّز الكلام،
ألسنة مربوطة بخيوط من نسيج متقلب الألوان، مجهول الغايات،
يتقن أن يحشو نفسه بصفة “المراقب”…
ويترك الخراب يراقبنا.
لن نقبل ببطاقة دعوة لحضور حفلة نسيان الوطن،
لن نلبّي الهراء في كؤوس الخداع،
ولن نموت برقمٍ يُنسي حتى الأخلاق،
حين تُنسى وتُباع.
صدري قد اختبر البقاء بين صخرتين،
وبينهما ألف حجر.
قل لي: هل ما زلت صابرًا؟
عن أي شيء نتحدث،
إن كان في قلب النار خشبها من توابيت الانتظار،
وبقايا حلم يتصدع؟
وصور المفقودين قناديلنا في الطرقات،
هي صورة شعب تلحّف الصمود، ولن يكون مفقودًا في هذا الوجود.
نادينا… وننادي:
ما زال صفر الحياة شريدًا،
وأنتم… ما زلتم راية لقارب مفقود،
يضيع في البحر… ولا يضيع فينا.
أيتها المراسي، اصنعي بحراً لنرسو فيه بأمانينا.
طاهر عرابي – دريسدن