سكينةٌ تمشي على أطرافِ الوقت
✍️ هائل الصرمي
لم تقُل يومًا: “أُحبُّك”، لكنها كانت تضعُ لي في الصحنِ ما أُحبّ.
ما قالتْ كلامًا معسولًا، لكنها كانتْ تقبضُ على خاصِرةِ الرِّضا، وتُربّتُ على كتفِ الضوء.
كانتْ تُؤثِرُني على نفسها، وتُقدّمُ لي سكينتَها، ولا تُبقي لها إلا فتاتَ التأمّل، وهي تراني أرتدي جلبابَ الذهولِ والدهشةِ برضا وإعجاب.
لم تكن تُدلّلُني بالكلام، بل كانتْ تُخبّئُ في أفعالِها حبًّا،
لو جُمع، لكان عزاءَ العُمرِ، وكلمةَ الخلود.
لم تقُل لي يومًا: “حبيبي”، لكنها كانت تُزيحُ عتباتِ الطريقِ قبل أن أسير،
وتنفضُ التعبَ عنّي قبل أن يستشري، وقبل أن أتكلم.
كانتْ تعرفُ موعدَ حزني دون بوحٍ ولا وقت،
وتعرفُ جوعَ قلبي قبل أن يجوعَ فمي.
تقرأني مثلَ كتابٍ مفتوحٍ أمام عينيها الحانيتين، برقةٍ غارقةٍ في حبٍّ سماويٍّ عريض، لا منتهى له.
تترك لي كلماتها مرسومةً بلا صوت، وتملأ محبرتي بالضوء ليعانقها قلمي في هدوء.
لم تكتبْ لي رسالة، لكنها كانت تُنقّطُ لي الحروف،
وترسمُ الكلماتِ على المائدة، وتَبري لي الأقلامَ لأحتضنَ الورقَ دون ضجيج.
كانتْ سماءً حين تكفهرّ السماء، وأرضًا صلبةً حين تمورُ الأرض، ووطنًا حين يغيبُ الوطن،
وموردًا عذبًا أستسقي منه كلّما هزّ الظمأُ وحشةَ قلبي، كأرضٍ سقيت فاهتزت وربت وانبتت من كل شيء .
كانتْ هي مائدةَ الحياةِ ومأدبتَها: رغيفَ الخبزِ الساخن، وكوبَ الماءِ البارد، وقطعةَ الحلوى التي تُشبه نهايةَ يومٍ ناجٍ من الانهيار.
كانتْ تمشي على أطرافِ الوقتِ بأصابعِ الحياء كي لا تُزعجَ يومي،
وتُخفي خطواتِها في المطبخِ كي لا ينهضَ النوم من أطرافِ سكوني،
وتُصلّي بصمتٍ كي يظل ظهري دفِئاً تغشاه السكينة.
وإذا اشتكيتُ بردًا – بل، قبل أن أشتكي –
كانت ترفعُ لي بُردتَها القديمة، ولحافَها الممهور بكلماتٍ تُشبه تكبيرةَ العيد، دون أن تذكرَ أنها لم تَعُد تملكُ غيرَهما.
وإذا بُحتُ بألم، جفّفته كما يُجفَّفُ المطرُ عن كتابٍ كريم تبلّل بزخّاته.
كانت تُسلّمني الطمأنينة، وتعود إلى صمتٍ يشبه صلاةً طويلة.
لم تكن تُحبُّني بالكلام،
كانتْ تُحبُّني بتقشُّفِ الأنبياء، وكرمِ الأمنيات، وصبرِ الجبال، وحنينِ العشّاق.
كانت تبثّ فيّ سكينةً خفيّة، وتذوب في سكونٍ لا يُرى.
أعطتني عمرَها على جُرعات، وسحبتْ من نفسها كلَّ ضوءٍ كي لا أعيشَ في العتمة.
تركتْ لي الحياةَ بألوانِها، وأقامتْ في ظلالِ التخفّي، بلا لونٍ يُشبه اسمَها في السجلاّتِ القديمة.
لو جمعتُ حبّها من فُتاتِ الأفعال، لصنعتُ به مدينةً تسكنُها طمأنينةُ العائدين من الغياب،
يتقاطرون من أزقّةِ المهاجرِ بلا موعدٍ مضروب.
ولو نسجتُ من صمتِها وِشاحًا، لارتداه الشتاءُ حياءً من دفئِها.
اللهم ارحمها.