(**أَنَا الوَطَنُ... وَاسْمِي العَودَة**)
أَنَا أُخْتُ هَارُونَ...
صَرَخَتْ فِيَّ النُّبُوءَةُ يَوْمَ خَذَلَنِي الزَّمَان،
وَكَمْ خَرَسَتِ الأَلْسُنُ حِينَ نَادَانِي الدَّمُ بِاسْمِي،
وَكَمْ سَجَدَ العَجْزُ عَلَى أَعْتَابِ الأَقْصَى...
لَكِنِّي لَمْ أَحْنِ جَبِينِي.
فِي غَزَّةَ يَسْكُنُ جُرْحٌ يُشْبِهُنِي،
وَفِي القُدْسِ يُصْلَبُ الدُّعَاءُ كُلَّ فَجْرٍ،
وَعَلَى جَبِينِ الزَّيْتُونِ،
خَطَّ الأَطْفَالُ وَصَايَا النُّورِ بِالدَّمِ وَالأَمَلِ.
أَيُّهَا الصِّغَارُ الَّذِينَ نَبَتُوا مِنَ الرُّكَامِ كَاليَاسَمِين،
رَأَيْتُكُمْ تُشْعِلُونَ التُّرَابَ،
وَتُطْلِقُونَ الرِّيحَ نَحْوَ شَمْسٍ مَسْرُوقَةٍ،
فَكَيْفَ أَضْعُفُ... وَأَنْتُمْ قِصَائِدُ مَا زَالَتْ تُكْتَبُ بِالدَّمِ؟
أَنَا الَّتِي غَزَلَتْ مِنَ الحُطَامِ وَشَاحَ المُقَاوَمَة،
وَمِنَ الَّيْتِمِ نَشِيدًا لِلْحَيَاةِ،
لَمْ يَخُنِّي دَمْعِي، وَلَا خَفَّ ضَوْءُ عَيْنَيَّ.
أَنَا صَرْخَةُ العُرْبَةِ فِي زَمَنِ التَّغَرُّب.
---
أَنَا الَّذِي نَهَضْتُ مِنْ تَحْتِ الأَنْقَاضِ،
لَمْ أَنْسَ صُرَاخَ أُمِّي يَوْمَ هَدَمُوا البَيْت،
وَلَا يَدَيْهَا تَغْطِينِي وَالسَّقْفُ يَنْهَارُ فَوْقَنَا.
لكني لَمْ أَمُتْ،
بَلْ اختبأتُ فِي صَدْرِ التُّرَابِ
حَتَّى عَلَّمَنِي: كَيْفَ أَصِيرُ جَذْرًا.
الآنَ...
أَزْرَعُ الجَمْرَ فِي قَلْبِ الحَصَى،
أَمْشِي حَافِيًا عَلَى الشَّظَايَا،
وَأُضِيءُ وَجْهِي بِالنَّارِ لَا بِالخَوْف،
لِأُعَلِّمَ الرِّيحَ طَرِيقَ الشَّمْس.
سَيَرَوْنَنِي يَوْمًا،
فَيَقُولُونَ: هَذَا طِفْلٌ يُشْبِهُ الوَطَن...
وَلَكِنِّي، فِي الحَقِيقَةِ،
أَنَا الوَطَنُ نَفْسُهُ
حِينَ تَنْبُتُ لَهُ أَجْنِحَةٌ مِنَ الحَنِين.
---
أَنَا القُدْسُ...
لَمْ أَكُنْ حِجَارَةً فَقَط،
كُنْتُ ذَاكِرَةً فِي قُلُوبِ الأَنْبِيَاءِ،
وَدَمْعَةً عَلَى جَبِينِ العَاشِقِينَ.
خَذَلَنِي الزَّمَنُ،
تَمَرَّغَ فِي دَمِي الغُزَاةُ وَالغُرَبَاء،
تَسَاقَطَتْ أَبْوَابِي كَأَهْدَابِ الفَجْرِ،
لَكِنِّي بَقِيتُ.
فِي مَآذِنِي نِدَاءٌ لَا يُقْمَع،
وَفِي حِجَارَتِي ظِلُّ طِفْلٍ يُقَبِّلُنِي كَأَنِّي أُمُّهُ.
صُلِبْتُ عَلَى جُدْرَانِ الصَّمْت،
وَنُسِيتُ فِي مَزَادَاتِ الخِيَانَة،
لَكِنِّي... نَهَضْتُ مَعَ الطِّفْلِ مِنَ الرُّكَام،
وَعُدْتُ أَكْتُبُ نَفْسِي مِنْ جَدِيد.
---
نُونُ العَوْدَةِ لَمْ تَمُت...
وَغَزَّةُ تَنْزِفُ مِنْ وَرِيدِ الأَرْضِ،
وَالقُدْسُ تَتَنَهَّدُ فِي السَّمَاءِ،
وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى... يُطَوِّقُهُ الفَجِيعُ.
لَا تَحْزَنِي، يَا أُخْتَ هَارُونَ،
إِنْ خَذَلَكِ العَرَبُ،
فَقَدْ صَارُوا قِرَبًا مَثْقُوبَةً،
وَأَجْسَادًا بِلَا أَرْوَاح،
صَامِتُونَ... مُصَنَّعُون.
وَلَكِنَّ الأَطْفَالَ الَّذِينَ صُلِبُوا تَحْتَ الرُّكَام،
سَيَنْهَضُونَ.
سَيَزْرَعُونَ الأَرْضَ جَمْرًا يُضِيءُ الظَّلَام،
وَيُحَوِّلُونَ الرِّيحَ لَهَبًا يَحْرِقُ الخُذْلَان،
وَيَسْتَرِدُّونَ الشَّمْسَ الَّتِي سُرِقَتْ مِنْ جَبَلِ الزَّيْتُون،
وَيَحْمِلُونَ مِفْتَاحَ العَوْدَةِ... لِيَبْدَأَ الوَطَنُ مِنَ الجَدِيد.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد. 2025/7/14
#أنا_الوطن_واسمي_العودة، #السلام، #ضد_الظلم، #شعر_عربي، #غيروا_هذا_النظام.