حين يُحاكِمُني الكتاب
على تخومِ المساءِ،
حيثُ يتردّدُ الضوءُ بين أن يكونَ أو لا يكون،
أجلسُ لا كقارئٍ عابرٍ،
بل ككائنٍ يُحاكِمُ نفسَه
أمامَ نصٍّ
أقدمَ من ذاكرتي.
الكتابُ ليس ورقًا،
إنّه مرآةٌ مُصقولةٌ بأنفاسِ العارفين
وغبارِ الفلاسفة.
كلُّ صفحةٍ فيه
حدٌّ فاصلٌ
بين ما ظننتُ أنّني أعرفه
وما كنتُ أهربُ من معرفته.
أقرأُ…
فتنشقُّ اللغةُ عن هاويةٍ داخليّةٍ،
كأنّ الحروفَ ليست علاماتٍ،
بل شظايا وعيٍ
تسقطُ من سقفِ الغيب.
من قال إنّ الدموعَ ضعفٌ؟
إنّها فائضُ الإدراك،
حين تضيقُ الروحُ
عن احتمالِ الحقيقةِ عاريةً.
في هذه الغرفةِ
لا شيء يتحرّك،
إلّا التاريخُ في عروقي،
وصوتٌ خافتٌ يسألني:
ماذا صنعتَ بعمرك
غيرَ أنّك أجّلتَ سؤالَ المعنى؟
كنتُ أظنُّ أنّ الحياةَ
مراكمةُ أيّامٍ،
فاكتشفتُ أنّها
مواجهةُ مرآةٍ.
الهلالُ المُعلَّقُ قربَ النافذة
ليس زينةً،
إنّه انحناءةُ الزمن
حين يعترفُ بنقصه،
وأنا…
أنحني مثلَه
أمامَ اكتمالٍ
لا يكتملُ فيَّ.
كلُّ فكرةٍ عظيمةٍ
تبدأُ بانكسارٍ،
وكلُّ يقينٍ صلبٍ
يخفي تحتَه
رملًا من الشكِّ النبيل.
أقرأُ…
فأرى طفولتي تمشي حافيةً
على أسئلةٍ أكبرَ من خُطاها،
وأرى شيخوختي
تنتظرُ جوابًا
لن يجيءَ
إلّا إذا تغيّرتُ.
الوجودُ ليس مسرحًا،
إنّه امتحانُ حضورٍ:
أن تكونَ هنا
بكاملِ وعيك،
أو تظلَّ ظلًّا
يُتقنُ تقليدَ الأحياء.
يا كتابُ،
لستَ نصًّا يُتلى،
بل ميزانًا خفيًّا
تُوزنُ به روحي.
وحين تسقطُ دمعةٌ،
فهي ليست حزنًا،
بل إعلانُ ولادةٍ متأخّرةٍ،
كأنّي الآن فقط
أخرجُ من شرنقةِ العادة
إلى هواءِ المعنى.
ما أعجبَ الإنسان…
يبني المدنَ،
ويهزمُ المسافاتِ،
لكنّه يعجزُ
عن عبورِ نفسِه.
في هذه اللحظةِ
أفهمُ أنّ النجاةَ
ليست في كثرةِ ما قرأتُ،
بل في صدقِ ما غيَّرني.
أُغلقُ الصفحةَ،
ولا أُغلقُ السؤالَ.
أرفعُ بصري،
فأرى الليلَ
كصفحةٍ سوداءَ
تنتظرُ أن أكتبَ فيها
نسخةً أقلَّ خوفًا
منّي.
وحدها الحقيقةُ
لا تُجامِلُ أحدًا؛
تدخلُ القلبَ
كما يدخلُ الضوءُ
شقَّ الجدار:
قليلًا…
لكنّه يكفي
ليُسقِطَ العتمةَ كلَّها.
وفي آخرِ الصفحةِ
لم أجدْ جوابًا…
وجدتُني أنا،
واقفًا عاريًا
إلّا من وعيٍ تأخّر كثيرًا.
وأدركتُ أنّ الكتبَ
لا تُنقذُ أحدًا
إن لم يمتلك شجاعةَ أن يُعيدَ كتابةَ نفسِه.
رفعتُ رأسي،
فلم يكن الليلُ سوادًا،
بل حبرًا كونيًّا
ينتظرُ اعترافي الأخير.
قلتُ:
لن أطلبَ نورًا بعد اليوم،
سأصيرُ فتحةً فيه.
لن أبحثَ عن معنىً،
سأتحمّلُ مسؤوليّةَ أن أكونه.
فالوجودُ
لا يُكافئُ المتفرّجين،
بل أولئك الذين يحترقون
كي يُضيئوا.
وهكذا
أغلقتُ الكتابَ،
لكنّي فتحتُ مصيري،
ومشيتُ إلى ذاتي
كمن يمشي إلى قدره،
لا ليعرفه…
بل ليصنعه.
الشاعر و الأديب عاشور مرواني -الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .