الجمعة، 27 فبراير 2026

الحياة بلا أرقام بقلم الراقي عبد الرحيم الشويلي

 "كُنْ حَذِرًا عِنْدَ قِرَاءَةِ كُتُبِ الصِّحَّةِ، فَقَدْ تَمُوتُ بِخَطَأٍ."

        مارك توين 

Mark Twain

 


قصة قصيرة


الحياة بلا أرقام… وبدون مقاييس...!


في البداية كان الأمر بسيطًا.

صداعٌ عابر. بحثٌ سريع. مقالٌ مطمئن. انتهى.

لكنَّه لم ينتهِ.

في الليلة التالية قرأ عن الجلطات الصامتة.

وفي الصباح استيقظ وهو يُصغي إلى قلبه كما يُصغي قاضٍ إلى متهمٍ خطير.

نبضةٌ سريعة؟ مؤامرة.

نبضةٌ بطيئة؟ كارثة مؤجَّلة.

اشترى جهازًا لقياس الضغط.

ثم جهازًا لقياس السكر.

ثم جهازًا لقياس الأوكسجين.

ثم جهازًا لقياس جودة النوم.

ثم جهازًا لقياس… القلق من الأجهزة.

صار يمشي وفي يده سوارٌ ذكي، وفي جيبه جهازٌ أذكى، وفي رأسه خوفٌ أذكى منهما معًا.

كان يُحدِّث زوجته بفخر:

— اليوم ضغطِي 12/8!

فتردُّ ببرود:

— وأنا صبري 0/0.

توقَّف عن أكل الملح.

ثم توقَّف عن السكر.

ثم توقَّف عن القهوة.

ثم توقَّف عن الخبز.

ثم اكتشف أن الهواء في المدينة ملوَّث، فصار يحبس أنفاسه دقائق طويلة "احتياطًا".

قرأ أن الجلوس الطويل قاتل. فصار يقف طوال اليوم.

قرأ أن الوقوف الطويل مُضرٌّ بالمفاصل. فصار يجلس نصف دقيقة كل ساعة.

قرأ أن النوم أقل من سبع ساعات خطر.

فصار يضبط منبِّهًا ليطمئن كل ساعة أنه ما زال نائمًا بطريقة صحية.

في إحدى الليالي شعر بوخزةٍ خفيفة في صدره.

فتح عشرين مقالًا.

الأول قال: شدٌّ عضلي.

الثاني قال: ارتجاع مريئي.

الثالث قال: بداية النهاية.

اختار الثالث.

كان يحب الاحتمالات الدرامية.

تدريجيًّا، لم يعد يخاف من الموت.

صار يخاف من العيش بطريقة غير مثالية.

وفي مفارقةٍ لم ينتبه لها،

بينما كان يقرأ مقالًا بعنوان:

"كيف تتجنَّب القلق لتحيا أطول"،

ارتفع ضغطه فعلًا.

أُدخل المستشفى.

التشخيص الرسمي:

إجهادٌ عصبيٌّ حادّ.

التشخيص غير الرسمي:

قراءةٌ زائدة.

وحين خرج، تخلَّص من الأجهزة كلها.

احتفظ بشيءٍ واحد فقط:

ساعة حائط قديمة.

سألوه: لماذا هذه؟

قال مبتسمًا لأول مرة منذ سنوات:

— لأنها لا تُخْضِعُنِي لِلْقِيَاسِ…

بل تُذَكِّرُنِي أَنَّ الوَقْتَ يَمْضِي سَوَاءً خِفْتُ أَمْ لَمْ أَخَفْ.

ومنذ ذلك اليوم، لم يمت.

لكنه أخيرًا…

عاش...!!!.


القاص

عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

27.فبراير.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .