الجمعة، 27 فبراير 2026

مرافئ السديم وتصدع الروح بقلم الراقي عاشور مرواني

 مرافئُ السديمِ وتصدُّعُ الروح


في مَجمَعِ الغيمِ، حيثُ الوقتُ ينكسِرُ

كأنَّهُ زُجَّ في مرآتهِ القَدَرُ

هناكَ، لا شيءَ يُحصي خُطوةَ العدمِ

ولا يُؤرِّخُ وجعَ الضوءِ إذ يَعتذِرُ

رجلٌ من الطينِ… لكن في مفاصِلِهِ

ألفُ احتمالٍ، وألفُ الشكِّ والسُّوَرُ

يمشي، وفي صدرِهِ بحرٌ بلا شطإٍ

كأنَّهُ السؤالُ الحيُّ يبتكِرُ

عيناهُ نافذتـانِ نحوَ عاصفةٍ

فيها الحقيقةُ تُخفِي وجهَها الحَذِرُ

يُهدي السماءَ شقوقًا من تأمُّلِهِ

حتى الغيومُ على كفَّيهِ تنهمرُ

ليسَ انكسارًا إذا ما اهتزَّ معبدُنا

فالصدعُ بابٌ لمن بالوعيِ يزدهرُ

أرأيتَ كيفَ يشيخُ الضوءُ في غُرَفٍ

ضاقتْ؟ فينزلقُ المعنى ويعتكِرُ

وكيفَ تصمتُ أشياءٌ نُسمِّيها

بيتًا، وفي صمتِها التهويمُ والسَّفَرُ؟

البيتُ ليسَ جدارًا يستريحُ بهِ

جسمٌ؛ ولكنَّهُ في الرُّوحِ مُستقَرُّ

فإنْ تصدَّعَتِ الأرواحُ ضاقَ بهِ

حتى يضيقَ بنا التاريخُ والأثَرُ

وعلى سحابِ الفقدِ مأدبةٌ نُصِبَتْ

كأنَّ كُلَّ كؤوسِ الصمتِ تستعرُ

فنجانُ قهوتِهِ الأولى يُذكِّرُنا

أنَّ الغيابَ إذا طالَ استحالَ صُوَرَا 

كرسيُّهُ شاغرٌ… لكنَّ هيئتَهُ

تُقيمُ فينا، كما في البحرِ مُنحدَرُ

والدفترُ المنسيُّ انكفأتْ بهِ

سطورُهُ؛ فاستحالَ الحبرُ مُنكسِرَا 

ما الحزنُ؟

ليسَ سوادًا في ملامحِنا

بل وعيُنا حينَ لا يُجدي بهِ السَّتَرُ

هو امتدادُ السؤالِ المُرِّ في دمِنا

إذا توارى الذينَ أحببْناهمُ… حضروا

نصيرُ أرصفةً تمشي بنا قَدَمٌ

لكنَّ في جوفِها صخرٌ ومُنتظَرُ

مقعدُ "شمسٍ" بأسفلِ الروحِ منفردٌ

كأنَّهُ العمرُ إذ يَسهو ويعتذِرُ

ينعى الزمانَ، ويُحصي في تجاعيدِهِ

كم مرَّ حلمٌ، وكم ضاعَ الذي انتظروا

لسنا نُقيمُ بيوتًا من حجارتِنا،

بل نبني الشقَّ كي نُخفي بهِ القلقَ المُستعِرْ.

كلُّ شَرْخٍ بأرواحِنا نافذةٌ،

وكلُّ نافذةٍ احتمالُ سقوطٍ… أو احتمالُ نظرْ.

نحنُ أبناءُ هذا التصدُّعِ الجميلِ:

بهِ نُدركُ أنَّ الكمالَ خرافةُ الضجرْ،

وأنَّ السلامَ الحقيقيَّ

لا يُولدُ من صمتٍ كاملٍ…

بل من فوضى تعلَّمتْ كيفَ تستقرّ.

فإذا سألوكَ:

أينَ بيتُكَ؟

قلْ:

في السؤالِ الذي لم يكتملْ،

في الكرسيِّ الذي ينتظرُ،

في الضوءِ حينَ يشيخُ…

لكنَّهُ لا ينطفئُ، بل يتحوَّلُ فِكْرْ .

لسنا نبحثُ عن الذينَ غابوا،

بل نبحثُ عن ذواتِنا كما كانتْ

قبلَ أن يُصيبَها الوعيُ بالكِبَرْ.

وهكذا نمضي—

لا لنُرمِّمَ ما تصدَّعَ فينا،

بل لنتَّسعَ لهُ أكثرْ.

فالروحُ

كلَّما انكسرتْ قليلًا…

صارتْ أقدرْ


الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .