الاثنين، 23 فبراير 2026

النبض 15 همس الآباء بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 #العالَم_العربي #العالَم_الإسلامي #الإنسانية

#النبض_15" – هَمسُ الآباء


لم يأتِ الآباءُ كأرواحٍ أو أشباح،  

جاؤوا كمكالماتٍ متأخِّرة،  

كرسائل قصيرة،  

كتعليقٍ واحدٍ تحت صورةٍ قديمة،  

كجملةٍ:  

«يا ابنتي، أين أنتِ؟»  

من رقمٍ لم يتَّصل منذ زمن.  


اتَّصل أبو تعز ذات ليلة،  

لم يتحدَّث عن الانحراف،  

ولا عن الضلال كما كان يفعل من قبل،  

قال فقط، بصوتٍ يحمل تعبًا ودفئًا معًا:  

«يا ابنتي، لقد قرأتُ كلامكِ قديمًا.  

كنتُ خائفًا عليكِ.  

واليوم أنا خائفٌ على أولاد أولادي.  

الدنيا صارت سريعة،  

والأسئلة أقوى من إجاباتنا القديمة.»  


سكت لحظةً، ثم أضاف:  

«لا أريد أن أقول لكِ عودي إلى الطريق القديم.  

أريد أن أقول…  

لو عندكِ إجابة لسؤال حفيدي،  

قوليها له،  

حتى لو كانت صعبة.»  


انتهت المكالمة.  

تعز لم تبكِ،  

لكن شيئًا في صدرها انفكَّ قليلًا،  

كعقدةٍ ظلَّت مشدودة سنوات.  


أمها أرسلت رسالةً صوتية قصيرة:  

«يا تعز، أنا أمكِ.  

سمعت أنكِ بخير.  

لم أفهم كل ما كتبته،  

لكنني رأيت بناتًا في الحي  

يسألن أسئلة مثل التي كنتِ تسألينها.  

لا أعرف كيف أرد.  

لو استطعتِ،  

كلّميني يومًا،  

لنتحدث بهدوء.»  


سمعت تعز الرسالة مرتين،  

ثم ردّت برسالة بسيطة:  

«يا أمي، أنا بخير.  

إن شاء الله نتحدث قريبًا.»  


سهيل، من جهته،  

تلقّى مكالمةً من أبيه.  

لم يبدأ الرجل باللوم،  

قال:  

«يا ولدي،  

ما زلتُ لم أفهم كل شيء.  

لكنني رأيت شبابًا في الجامعة  

يسألون أسئلة مثل أسئلتكم.  

لا أعرف ماذا أقول لهم.  

لو استطعت أن تأتي،  

نتحدث وجهًا لوجه.»  


رد سهيل بعد يومين:  

«إن شاء الله يا أبي.  

سآتي قريبًا.»  


في تلك الليلة جلسا معًا على الأريكة،  

كوب شاي بينهما.  


قالت تعز:  

«الآباء بدأوا يسمعون.  

ليس شرطًا أن يوافقوا،  

لكنهم بدأوا يخافون على أحفادهم  

أكثر مما كانوا يخافون علينا.»  


أومأ سهيل:  

«هذا يعني أن كلامنا وصل  

إلى مكان لم نتوقّعه.  

حتى لو وصل مشوَّهًا،  

لكنه جعل أحدًا يسأل:  

طيب… كيف نرد؟»  


ابتسمت تعز ابتسامة صغيرة:  

«ربما هذا كان الخوف الحقيقي منذ البداية.  

ليس أن يتغيّر العالم فجأة،  

بل أن يبدأ أحدٌ  

بالبحث عن إجابة جديدة  

لسؤال قديم.»  


خارج النافذة كان الليل هادئًا،  

والمطر خفَّ قليلًا.  

وفي الداخل كان هناك سلام خفيف،  

ليس سلام النصر،  

بل سلام من يعرف أن الطريق طويل،  

وأن الخطوة الصغيرة اليوم  

قد تكون أثمن  

من كل الكلام الكبير بالأمس.  


-------


#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/2/24


#ملحمةُ_النبضُ_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .