«موت الخطأ»
قصيدة سريالية رمزية وفلسفية
للشاعر طاهر عرابي
كُتبت في دريسدن – 21.02.2026
⸻
لم يتوقف أحد عن البكاء
منذ الميلاد ونحن نبكي على موت الخطأ
نكبر ونبكي، ونبكي قبل الموت
لانتهاء الماء في دلو البلاء
ونقول، بالخطأ: توقفت السعادة.
كل الزمن يبكي، والمطر ما هو إلا دموع
من صدر الغيوم
والبحر إناء.
هل نعاتب قطرات الدمع على الخدين
وفي المنديل،
أم أن العيون هي المتهمة طوال البقاء؟
حتى البهجة، تلك ذات العيون الصافية والجافة،
كانت تمر عبر مساحة
مفتوحة على ضفتي النهر.
بعد أن وضعناها لنترقب كيف لها البكاء،
مرت غافلة عنا، وبقيت بعناد،
وكأنها لا تفهم الوفاء لنا.
تركتنا نختار بهجة أخرى فيها أمل ينزلق
مثل ملعقة حساء.
تريدنا أن نتتبعها، فكيف يتتبع
من هرب ووجد في الخطأ ستار الشقاء.
سقف البيت مثقوب خشية العطش،
شجرة شوكية تغفو دون دموع،
بخار من الغيمة يتدلع ويتسكع،
وروّاد المقاهي يحملون كؤوسهم
خشية أن تموت القهوة على نار بلا ماء،
ويأكلون خبز القهوة،
سيبكيهم طعم الرماد مخلوطًا بالسكر.
ما تبقى مسألة الطاهي والوفاء،
سيبكون من أجل الرجاء،
فهم مقهورون، فالقهوة لم تكن عصماء،
بين التفحم والنكهة ضاع المصير.
ما أقسى الغباء بين الضياع والحيرة
كنت أظن أن الغباء يتمترس
تحت قدمين من يمشي على حبل،
خطأ الحبل هو الغباء،
وخطأ الماشي طريق في الهواء،
والسقوط حتمية لكل خطأ.
رأيت حمارًا يبكي بصمت،
خجلًا من قطرات الدمع المسكينة،
تترك جسده وكأنها تغادر الرحمة.
يشتهيها مثل حاسة أو طرف يتدلى تحت فكيه.
قلت: دعه، فلنا في الشقاء مثل ألف لقاء.
همست في أذنه إلى أذني،
تحرك لساني تحت لسانه،
رد لساني تحت لسانه:
أنت أنت الباكي على جدران غافيه،
يا قهري من تصالح،
والبهجة تمتطي صهوة الحيرة،
وغرق الحمار في ظلام الحقيقة.
آه لو وقفت في منتصف الطريق
ومسحت دمعك بثياب العابرين،
لجف انفك وصار لك أصدقاء.
سميهم العابرون وابكِ لسبب وكما تشاء،
مثل مرور الغبار،
لكن الدمع يتحرر ويعود للسماء.
لست وحدك يا حمار.
هناك وردة جورية سقط ساقها،
فأمسكت بشوكها ببيت العنكبوت.
انتحر العنكبوت من عطرها وبكى،
ونسي أن الشوك هو من أخطأ.
يا ليت العمر يمضي كعطرٍ على ورد،
أو كحجرٍ على سورٍ نتهجّى أثره.
نختال بين الظل والمرايا،
ونتعثر على مفاتيح السرور،
ونظل نحلم بأن المفاجأة هي من يلبسنا سوار.
فأيُّ سوارٍ، يا ترى، يليق بالمقهور؟
أيها الحمار، اخبرني على عجل
قبل أن تصل صور الهمس إلى المسامع.
هل أنت من أمسك بسمكة
وركّب لها جناح عصفور لتتباهى بسذاجة؟
وقال للعصفور المظلوم: اغْطِس في النهر.
فماتت السمكة غيظًا تحت غيمة،
ومات العصفور ألمًا فوق الرمل،
وجفّ النهر ليخفي عبثك.
وأنت تزوجت البكاء؟
كيف أُحبّك في سوادٍ يترقرق دمعًا؟
وأنا مصيبةُ المعنى في كلِّ المعاني.
سأتركك تتسلى بوداعة الروح،
والروحُ أول من يشقى.
لا تتسلَّ بالحكمة،
ولا بزرافاتٍ تتحدث عن المروءة.
أيها الحمار، لا تكذب،
حتى الجدار يمكنه أن ينقلب،
وتبقى بلا وسيلة.
اسند براسك إلى الجدار وانتظر،
كل شيء يتحول غير عابئ بما تهوى.
تمنَّ نبعًا يصب ويسقيك عصير عنب.
لا تدري أنت كيف سيعطيك أمل.
فلا ترفقه بالطلب بل اصمت وكأنك خشب.
أحزنني أني لست وحدي في توابيت الخطأ،
جففت دمع الحمار وهمست له:
البهجة أن تكون كما أنت،
إنسان جميل جدًا، أو حمار في جمال إنسان.
غريب الكلام أشقى من وصف الصمت.
فدعك مني،
أنا غيرت الاتجاه نحو السعادة.
ومن الخطأ أن تطير.
ابتعد عن الجدار.
أريد أن أقف أنا وأنت ترحل.
ففي وسط الطريق دفن الخطأ.
من منا لا يرتعب من ميلاد الخطأ؟
أيتها الخطيئة، أصلحي عقل الحمار.
ما زال يظن أن البكاء كفارة،
والدمع هدية، والدموع وسيلة.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .