الاثنين، 5 يناير 2026

الستارة بقلم الراقي طارق الحلواني

 الستارة ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

رغم ضيق أيامه، لم تفارق الابتسامة وجه عبدالتواب.

لم تكن سهلة، بل كانت وسيلته الوحيدة لتحمل ما يمر به.

عبدالتواب أب لسبعة أبناء، يعيش مع زوجته ووالدتها في غرفة وصالة ومطبخ لا يتسع إلا لشخص واحد، وحمام بسيط.

قسّم الغرفة بستارة قماش، وأخذ من الصالة شريطًا آخر.

لم يعد يعرف إن كان ما يفعله تنظيمًا للحياة، أم محاولة لتقليل الاحتكاك بها.

يخرج إلى عمله مبكرًا جدًا، ليس حبًا فيه، بل فرارًا من ضيق المنزل.

في المكتب يبدو شخصًا آخر: ضاحكًا، خفيف الظل، حاضرًا دائمًا.

زملاؤه يستعجلون الانصراف، وهو يتباطأ.

لا يحب الإجازات، ولا يعرف ماذا يفعل بالعطلة.

بعد انتهاء الدوام تبدأ الرحلة الأصعب: الطريق إلى البيت.

لا يحب التجول في الشوارع، لكنه مضطر.

جرّب البحث عن عمل إضافي، ولم ينجح.

تجاوز الخمسين، ويعمل بهدوء لا يناسب عصر السرعة.

كان يقضي الوقت مراقبًا الوجوه.

الناس في الشارع لا ينتبهون لأنفسهم، لكن وجوههم تكشف ما في داخلهم.

في أحد الأيام لمح رجلًا جالسًا على دكة بالقرب من الرصيف، يبكي.

ظنه شحّاذًا.

أخرج من جيبه جنيهًا، ومد يده.

رفع الرجل رأسه.

عينان غارقتان في الدموع، ووجه مليء بالتجاعيد كخريطة لعمر طويل من التعب.

ذقن غير مهذبة، وشعر طويل تتشابك خصلاته مع البلل.

لم يأخذ الجنيه.

جلس عبدالتواب بجانبه، مترددًا لحظة، ثم قال:

— ما بك؟

لم يُجب الرجل.

ظل ينظر إلى الأرض.

قال عبدالتواب:

— هل أستطيع مساعدتك؟

ابتسم الرجل ابتسامة باهتة، وقال بصوت خافت:

— هل تعرفني؟

هز عبدالتواب رأسه:

— لا.. لكن أود أن أعرف قصتك.

صمت الرجل طويلًا، ثم قال:

— كنت أعيش في شقة كبيرة، غرفة لكل واحد.

توقف قليلًا، ثم أضاف:

— الآن.. لم يبقَ أحد.

لم يسأله عبدالتواب شيئًا.

ترك الجملة كما هي.

— توفيت زوجتي مبكرًا،

والأبناء تزوجوا وسافروا.

كنت أظن أن الوحدة ستأتي تدريجيًا..

لكني شعرت بها فجأة.

أشار الرجل إلى الشارع:

— الناس يظنون أنني شحّاذ.

وأنا في الحقيقة.. خاوي.

شعر عبدالتواب بشيء يتحرك في صدره.

تذكّر الستارة، الزحمة، الخلافات الصباحية على الحمام، أصوات أولاده وهم يتشاجرون، ضيق المكان الذي كان يراه قهرًا.

نهض الرجل ببطء، وقال كأنه يحدث نفسه:

— الضيق ليس سيئًا..

السيئ أن تستيقظ ولا أحد ينتظرك.

مشيا معًا خطوات قليلة،

ثم افترقا عند أول ناصية، بلا وداع طويل.

عاد عبدالتواب إلى بيته متأخرًا كعادته.

وقف أمام الباب لحظة..

ثم فتحه ودخل.

استقبلته الأصوات.

وقف وسط الزحمة،

وشعر لأول مرة أن الضيق لم يكن في المكان..

بل في خوفه منه.

مد يده، وسحب الستارة قليلًا..

فدخل الضوء.

لم يبتسم ابتسامته المعتادة.

كانت أهدأ.

أصدق.


طارق الحلواني

يناير ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .