جبر الخواطر على الله ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
استيقظ مبكرًا
كعادته، قبل أن يرنّ المنبّه بدقائق.
لم يكن في جسده ما يدعوه للاستيقاظ ،لكن العادة التي عاش بها عمرًا كانت أقوى من النوم،وأقوى من فكرة أن هذا اليوم هو الأخير.
جلس على طرف السرير لحظة أطول من المعتاد.
لم يفكّر في الحفل،ولا في كلمات الشكر،بل في الغد..
كيف سيستيقظ بلا سبب؟
بلا مواعيد؟
بلا باب يفتحه في الثامنة تمامًا؟
في المطبخ، أعدّت زوجته الفطور في صمت.كانت تراقبه من بعيد،تلمح في وجهه حزنًا خفيفًا يحاول إخفاءه بابتسامة اعتاد ارتداءها.
لم تسأله،ولم تواسه،فقط وضعت فنجان القهوة أمامه،كما تفعل كل صباح منذ ثلاثين عامًا.
أحضر الجريدة من أمام باب الشقة، جلس يحتسي قهوته على مهل.
قلّب الصفحات بلا تركيز، حتى توقّفت عيناه عند إعلان صغير:
مطلوب للتعيين
مدير..
مدير عام..
رئيس قطاع..
ابتسم.
ضحك ضحكة قصيرة،
فيها شيء من الطفولة.
قال في نفسه:
«غدًا أذهب وأتقدّم..
لا يزال في العمر متّسع».
اختارت له زوجته بدلته الرمادية،وقميصه الأبيض،وربطة العنق الزرقاءالتي يحتفظ بها للمناسبات الكبيرة.
وقف أمام المرآة طويلًا.
كان أنيقًا محترمًا..
كأنه لا يزال ينتمي إلى هذا العالم.
في الطريق قال فجأة:
– هل اتصلتِ بالأولاد؟
– نعم.
– وكيل الوزارة سيحضر… كيف أبدو؟
– تبدو جيدًا.
قالتها بنبرة هادئة،
واثقة،كما تقول كل شيء منذ عرفها.
حين اقترب من المصلحة،رفع عينيه إلى اللافتة القديمة.
كانت مغطّاة بطبقة سميكة من الغبار،
كأنها لم تُنظّف منذ سنوات.
قرأ الاسم ببطء،كأنه يراه للمرة الأولى..
أو كأنه يودّعه.
صعد الدرج.وقع خطواته بدا غريبًا،كأنه يسمعه لأول مرة.كل درجة كانت تحية،وسلامًاأخيرًالشباب قضاه هنا في صمت.
دخل القاعة.
كراسٍ مصطفّة،زينة معلّقة،وهمهمة خافتة.
جلس بالصف الثاني، وقال لنفسه إن الصف الأول لابد أنه مخصّص للقيادات الكبرى.
مرّ بجواره موظفون يعرفهم،وآخرون لا يعرفهم.
وجوه كان يوقّع على مجازاتها،ويصرّ على انضباطها.
لم يسلّم أحد.
بعضهم اكتفى بنظرة عابرة،وبعضهم ابتسم ابتسامةلم يجد لها اسمًا.
امتلأت القاعة تدريجيًا.
ضحكات مرتفعة، مصافحات مبالغ فيها،
وأكتاف تُربّت بحماسة
على رجل لم يصل بعد.
سمع صوتين خلفه،
منخفضين،يظنّان أن لا أحد يسمع:
– دخل حمار وخرج أربعة عشر..
– أربعة عشر ماذا؟
– أربعة عشر حمارًا!
ضحكا.
ضحكة قصيرة،مكتومة،قاسية.
لم يلتفت.
لم يحتج إلى الالتفات.
أدرك أن الضحك
ليس بعيدًا عنه.
دخل رجل تحيط به الابتسامات.
وقف الجميع.
تصفيق.
ترحيب حار.
ثم سمع همسًا آخر:
– رجل ثقيل.
– صاحب نفوذ كبير.
– حوت.
– ليس كالمسكين الذي غادر.
حينها فهم.
أو لعلّه كان يفهم منذ البداية،لكنه كان يرفض التصديق.
اقترب منه الساعي وهمس:
– هذه حفلة ترحيب بالمدير الجديد، يا أستاذ.
أعاد الجملة في داخله ببطء.
المدير الجديد..
شعر أن الهواء في القاعة أثقل مما يُحتمل.
وأن الكرسي الذي يجلس عليه
أضيق من أن يحتمله.
الأصوات أعلى،والجدران أقرب.
حاول أن يستند إلى ظهر المقعد،لكن جسده لم يطاوعه.
نهض فجأة،وقال إنه يريد المغادرة.
لم ينتظر ردًا،ولم ينتظر شفقة.
اتجه نحو الباب
كأن المكان يلفظه.
في الخارج كان أولاده قد وصلوا.
قال لهم بهدوء متكلّف:
– انتهى الحفل..
تأخرتم قليلًا.
اعتذروا،وأحاطوه بنظرات حائرة.
لم يطل الوقوف.
ودّعهم عند باب المصلحة،ومضى مع زوجته.
ربتت على كتفه وقالت:
– لا بأس.
قال بعد صمت طويل:
– غدًا نغادر الدنيا..
ويُنسى كل شيء.
توقّفت، نظرت إليه،
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
– دعك من هذا…
بماذا ستدعوني اليوم؟
سكتت لحظة، ثم أضافت:
– سأقيم لك أكبر احتفال هذا المساء..
اليوم عيد ميلادك.نظر إليها أخيرًا.وفي عينيها،
بعد عمر طويل من العمل والانتظار،وجد ما لم يجده في أي منصب.
قالت بهدوء يشبه اليقين:
– أجمل ما في حياتي..
أنت.
وفي تلك اللحظة،
فهم أن بعض الأبواب حين تُغلق..
يفتح الله بدلها قلبًا.
طارق الحلواني
يناير ٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .