نقفُ حفاةً على عتباتِ الغياب
حينَ أغلقتِ الأرضُ أبوابَها
وعلى أبوابِكِ التي تُنكرُنا،
نقفُ حفاةً،
كأنَّ الوطنَ انفلتَ من بين أناملِنا،
وتناثرتْ دروبُها في ليلٍ لا يعرفُ وجهَنا.
على عتباتِ الغيابِ،
مضتْ أعوامٌ…
كانتْ لنا أرضٌ نحملُها وتحملُنا،
تضحكُ لنا،
تبتسمُ أيامُها زهرًا ورديًّا، وثلوجًا نقية،
كأنَّ الفجرَ يُولدُ من بين أنفاسِنا،
رويدًا… رويدًا،
ليختلطَ مع خُطانا.
أرضٌ تهتزُّ شموخًا تحتَ أقدامِنا،
تُضيءُ سماءَنا،
تحملُنا عاليًا نحو الآمال،
جفونُها لا تغيبُ عنّا،
لا تنامُ إلا وعيونُ اللهِ تحرُسُنا،
تُطعمنا من خيراتِها،
تسقينا من موردِها،
وتخطُّ بالنورِ خارطةَ الآفاق
على جبينِ الجبالِ.
هي ما اختاره لطفُ اللهِ كونًا يسكنُ فينا،
عليها وُلِدنا،
ونقشتْ الحروفُ أبجديتَنا،
في كلِّ ذرةٍ من ترابِها تسكنُ حكاية،
وأنفاسُ أسلافِنا تتناثرُ
فوقَ أفقِ الرحابِ.
والآنَ،
نقفُ حفاةً،
كأنَّ الأرضَ تسرّبت من بين أصابعِنا،
توارتْ خلفَ سرابٍ من الضبابِ،
لم تعدْ تسكُنُنا كما كانتْ،
وكأنَّنا نجومٌ ماتتْ في عتمةِ السماءِ،
وانصهرتْ في أفقِ الغيابِ.
أيا أرضُ،
باللهِ عليكِ،
لا تحملينا وزرَ الآخرين
ولا أرقَ التائهينَ الحيارى،
فلا أبوابَ لنا سوى أبوابِكِ،
بلادُ الغيرِ سرابٌ
يتناثرُ بلا صدى،
وزهرٌ لا يعانقُنا،
وموردٌ لا يروينا.
وجوهٌ غريبةٌ دسّتْ من خلفِ الستارِ
أصابعَها،
وخلفَ جدرانٍ بنيناها بأغانينا،
زرعوا مرايا لا تعكسُ وجوهَنا،
كانوا منّا… لا يشبهوننا،
استعاروا صمتَنا ليغتالوا صراخَنا،
وسرقوا من صدورِنا مسكَنَنا،
ومحوا من شرايينِنا نشيدَ العودةِ،
نشيدَ العودةِ،
عودةَ الحياةِ إلى الزقاقِ.
وفي أقصى الغيابِ،
يبقى ظلٌّ يشبهُنا…
يسيرُ في البعدِ،
يحملُ شعلةً من نورِ الجرحِ،
يلوّحُ للريحِ أن:
«اصمتي قليلًا»،
فثمَّةَ عائدٌ من صلبِ الغيابِ،
يرشُّ الماءَ على حروفِ الترابِ،
ويكتبُ فوقَ كلِّ حائطٍ هُجِرَ:
«سنعود… سنعود».
بقلم: ماهر كمال خليل
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .