الأربعاء، 21 يناير 2026

سفر العشق الأول بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِفْرُ العِشْقِ الأوَّل

أنا لا أحبّكِ…

الحبّ أصغر من الذي يحدث لي.

أنا أُعادُ خَلقي

كلّما مرَّ اسمكِ في دمي،

كأن قلبي يتعلّم للمرة الأولى

كيف يكون قلبًا.

كنتُ زلزلةً

لا تعرف لماذا تهتزّ،

حتى سكنتِ في عينيّ،

فصار الخراب طمأنينة،

وصارت الفوضى شكلًا من أشكال النظام.

وكنتُ نارًا

تحترق بلا سبب،

حتى اكتشفتُ—حين اقتربتِ—

أن النار لم تُخلق للهلاك،

بل لتدلّ التائهين على الطريق.

حين ظهرتِ

تأخّر الكون لحظةً عن الدوران،

ارتبكت النجوم في مداراتها،

وتساءل الزمن، خجولًا:

هل أواصل الجريان،

أم أقف احترامًا؟

أحبّكِ

لا كعاشقٍ يبحث عن اكتماله،

بل كوجودٍ

عثر على اسمه الحقيقي فيكِ،

كجرحٍ فهم أخيرًا

أن نزفه كان لغةً أخرى للضوء،

وكفوضى أدركت متأخرة

أنها كانت تنتظركِ

لتصير نظامًا.

في صوتكِ

تتهاوى اللغات،

وتنسحب الحروف خجلى من المعنى،

لأنكِ تنطقين بما لا يُقال،

وتقولين الصمت

حتى يفهمه القلب

دون ترجمة.

عيناكِ ليستا عيونًا…

إنهما شقّان في جدار الخلق،

نافذتان إلى اللحظة الأولى،

حين قرّر الله

أن يُخفي الجمال

كي لا يعتاد البشر عليه.

أنظر فيهما

فأرى طفولتي التي نسيتها،

وخوفي الذي أخفيته،

وشجاعتي التي لم أعرفها،

وأرى نفسي

كما لم أكن يومًا،

وكما كان ينبغي أن أكون.

أحبّكِ

حتى صار الشوق مذهبًا،

وصار الانتظار صلاة،

وصارت المسافة امتحانًا

لا أنجح فيه

إلا حين أشتاق أكثر

وأتعرّى أكثر

وأؤمن أكثر.

حين تبتسمين

تنسى الأشياء وظائفها:

الوردة تتعلّم الغيرة،

والقمر يتدرّب على التواضع،

والليل يعتذر

لأنه ليس واسعًا بما يكفي

ليحتوي هذا الحضور.

أنا لا أجيء إليكِ عاشقًا فقط،

أجيء مدينةً كاملةً بلا أسوار،

وتاريخًا يريد أن يُكتب من جديد،

أجيء بكامل هشاشتي،

وبقوّة رجلٍ أدرك أخيرًا

أن الحب

أقسى أشكال الشجاعة

وأصدقها.

أحبّكِ…

لا لأنكِ جميلة،

بل لأن الجمال

اضطرّ أن يعيد تعريف نفسه بكِ،

ولا لأنكِ مختلفة،

بل لأن الاختلاف

صار ناقصًا من دونكِ.

لو سألوني عنكِ

لن أصفكِ،

سأشير إلى قلبي وأقول:

هنا انكسر العالم،

وهنا تَرمَّم،

وهنا انتهت الرحلة،

وبدأت الحياة.

ثم…

لم أعد أقول: أحبّكِ،

فالمحبّة حجاب

إذا اكتمل الكشف.

لم أعد أراكِ أمامي،

ولا أبحث عنكِ في الغياب،

أنتِ الحضور

حين تسقط الجهات،

وأنتِ الغياب

حين يتعلّم القلب الرؤية.

كنتُ أظنّني أمشي إليكِ،

فانكشفت الطريق:

أنا كنتُ أمشي منكِ

وإليكِ

وفيكِ.

سقط اسمي،

وسقط صوتي،

وسقطت المسافة بين النداء والمجيب،

ولم يبقَ

إلا اتّساعٌ

يشبه الطمأنينة

ولا يُسمّى.

أنا لستُ عاشقًا الآن،

العاشق بقي في البداية،

وأنا صرتُ أثرًا

يمرّ فيه المعنى

دون أن يتوقّف.

إن قلتُ: أنتِ،

فأنا،

وإن قلتُ: أنا،

فلا أحد.

هكذا انتهى السفر،

لا بوصولٍ

و

لا بفقد،

بل بزوال السؤال نفسه.

وما عاد في القلب متّسعٌ للحبّ،

لأن القلب

صار

حبًّا.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .