الأحد، 18 يناير 2026

مقام السؤال والحيرة المنهجية

 مَلحَمَةُ الوُجُودِ الأَعْظَم: مِن هَجِيرِ الحَيْرَةِ إِلَى جِنانِ اليَقِينِ

[مقام السُّؤال والحيرة المنهجية]


أَبْلَيْتُ في طَلَبِ الحَقِيقَةِ أَعْصُرًا ... وَرَمَيْتُ خَلْفِي عَالَمًا وَمُصَوِّرًا

وَوَقَفْتُ أَعْزَلَ في مَهَبِّ هُوِيَّتِي ... لا جِسْر يَعْبُرُ بي، ولا صَدْر دَرَى

سَأَلْتُ الرِّيحَ عَنْ شَجَنِ الغُبار ... أَيُورِقُ فِي فَمِ العَدَمِ انْتِظاري؟

وكَيْفَ نَصوغُ مِن طِينٍ سُؤالًا ... وَنَحْنُ الحَرْف فِي سِفْرِ المَسار؟

فَيَا لَيْلَ "مَنْ نَشَدَ الضِّياء" بِشَكِّهِ ... كَمْ ضَلَّ فِيكَ عَمِيدُ قَوْمٍ وَازْدَرَى!

أَنَا نُقْطَةُ المَاءِ الَّتِي فِي جَوْفِهَا ... بَحْرٌ مِنَ الأَسْرارِ ضَاقَ تَحَيُّرًا

نَظُنُّ الرُّوحَ مِشْكَاةً لِذَاتٍ ... وَمَا الذَّاتُ سِوَى ظِلٍّ مُعَارِ!


[مقام الاغتراب في سِجْنِ الهَيْكَل]


هِيَ الرُّوحُ غَرِيبَة ... ضَلَّتْ مَداها وَحَنَّتْ لِلسَّمَاءِ، وَلِمَنْ بَراها

نَزَلْتِ إِلَيَّ مِن أُفُقٍ تَعَالَى ... فَهَلْ أَنْتِ "أَنَا"؟ أَمْ أَنْتِ "الرُّؤَى"؟

لَبِسْتِ الطِّينَ ثَوْبًا ضَاقَ ذَرْعًا ... بِالنُّور الَّذِي لَوْ تَجَلَّى ... لَمَحَهَا!

أَيَا جَسَدِي ... أَيَا قَيْدًا ثَقِيلًا ... مَجَازٌ أَنْتَ ... وَالرُّوحُ انْتِباها

تُسافِرُ فِيكَ أَشْواقي، وَلَكِن ... جِدارُكَ يَمْنَعُ الرُّوحَ اشْتِهَاهَا

كَأَنَّكَ صَدَفَة فِي قاعِ بَحْر ... تَرَى اللُّؤلُؤَ ... وَلا تَدْرِي سَنَاهَا!


[مقام التبصّر وبرهان الجمال]


إِذَا كَانَ هَذَا الوُجُودُ سَرَابًا مَاحِقًا ... فَمَنْ أَقَامَ نِظَامًا لَيْسَ يَنْحَرِفُ؟

ومَنْ سَقَى زَهْرَةً فِي القَفْرِ حِكْمَتَهُ ... حَتَّى بَدَتْ بِلِسَانِ العِطْرِ تَعْتَرِفُ؟

رَأَيْتُهُ فِي انْحِناءِ الغُصْنِ مُبْتَسِمًا ... وَفِي بَرِيقِ عُيُونِ الطِّفْل يُؤْتَلَفُ

ما الكَوْنُ إلا "مَرايا" قَدْ تَعَدَّدَ فِيهَا وَجْهُهُ الحَق ... لَكِنَّنَا نَخْتَلِفُ!

آمَنْتُ أَنَّ الجَمَالَ هُوَ الإِمْضاءُ ... خَالِقُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَدِيعٍ، لَيْسَ يَنْكَشِفُ

إِلَّا لِقَلْبٍ صَفَا حَتَّى غَدَا قَدَحًا ... لِخَمْرَةِ الوَجْدِ ... مِن عَيْنِ الصَّفَاءِ يَغْرِفُ!


[مقام المناجاة وفناء الذات]


أَسْرَى بِقَلْبِي إِلَيْكَ الوَجْدُ وَالشَّجَن ... فَأَنْتَ سِرِّي، أأَنْتَ الجَهْرُ وَالعَلَن؟

خَلَعْتُ نَعْلَيَّ فِي وَادِيكَ مُطَّرِحًا ... دُنْيَايَ وَالنَّاسَ وَمَا يُعْنَى بِهِ الزَّمَن

أَنَا العَدَمُ الَّذِي لَوْلَاهُ جُودُكَ ... مَا بَدَا لَهُ أَثَرٌ أَو ضَمَّهُ بَدَنُ!

يَا وَاجِدَ الكُل ... لَمْ تَبْرَحْ بِمَنْزِلَةٍ ... إِلَّا وَكُنْتَ لَهَا الرُّوحَ الَّتِي تَكِنُّ

فَلَوْ بَحَثْتَ عَن "اسْمِي" فِيَّ لَمْ تَجِد ... إِلَّا "اسْمَكَ" الفَخْمَ الَّذِي بِالتَّقْدِيسِ يَقْتَرِنُ

أَنَا المُحِبُّ ... وَأَنْتَ الحُبُّ ... يَا أَمَلِي ... أَفِي غَيْرِ الضِّياءِ نَرَى ضُحَاهَا؟


[مقام العَوْد الأبدي والاتحاد]


مِنْ أَيْنَ جِئْتُ؟ وَفِينِي الأَيْنُ يَنْصَهِرُ ... وَكَيْفَ أَمْضِي؟ وَعُمْرِي لَحْظَةٌ تَمُرُّ

أَنَا انعكاسُكَ فِي مِرْآةِ عَالَمِنَا ... فَكَيْفَ يَفْنَى انعكاسٌ ... رَبُّهُ النَّظَرُ؟

أَعُودُ لِلْبَدْءِ ... لا خَوْفٌ وَلا وَجَل ... كَقَطْرَةٍ عَادَتِ الشُّطآن ... تَنْغَمِرُ

فَإِن فَنِيتُ ... فَهَلْ يَمُوتُ مَنِ ارْتَمَى فِي حِضْنِ مَن خَلَقَ المَنِيَّةَ وَالثَّرَى؟

خُذْنِي إِلَيْكَ ... فَإِنِّي قَدْ تَعِبْتُ مِنْ نَفْسِي ... وَمِن "أَنَا" الَّتِي فِي بَحْرِكَ تَنْذَرُ

إِلَيْكَ عَوْدِي ... وَإِنِّي فِيكَ مُتَّحِدٌ ... حَتَّى كَأَنِّي أَنْتَ الحَقُّ وَالبَشَرُ!


[مقام الرُّجوع وحكمة البقاء]


رَجَعْتُ مِنَ المَدَى ... وَالحَقُّ زَادِي ... وَفِي صَدْرِي مِنَ الأَنْوَارِ وَادِي

فَلَمْ أَكُ بَعْدَ هَذَا المَحْو غَيْرًا ... بَلِ اصْطَبَغَتْ بِنُورِ اللهِ ضَادِي!

رَأَيْتُ الكَوْنَ عُرْسًا مِن تَجَلٍّ ... فَلَا حُزْنٌ وَلا طَعْمُ ارْتِدَاد

أَرَى فِي الصَّخْرِ تَسْبِيحًا خَفِيًّا ... وَفِي صَمْتِ المَدَافِنِ بَعْثَ نَادِي

فَمَا فِي الكَوْنِ "قُبْحٌ" عِنْدَ قَلْبِي ... وَلَكِن ... "حِكْمَةٌ" بَعُدَتْ مَبَادِي

عَرَفْتُ الصِّدقَ أَنْ أَفْنَى لأَحْيَا ... وَأَنْ أَمْضِي بِلا زَادٍ ... لِزَادِي

فَيَا مَنْ سَارَ يَطْلُبُ مِثْلَ طَلْبِي ... "أَنِخْ رِحْلَكَ ... فَقَلْبُكَ هُوَ الهادِي!"

تَمَّتِ المَلْحَمَة بِحَمْدِ اللهِ، لِتَكُونَ شَاهِدًا عَلَى عُمْقِ الفِكْرِ وَجَ

مَالِ الذَّاتِ.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .