"حُكم المتاهة"
قصة قصيرة
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2020 ونُقّحت في 21.01.2026)
تنويه:
هذه القصة لا علاقة لها بشخصيات أو أحداث سياسية واقعية، بل هي استنتاج يخصّ النص الرمزي وحده.
⸻
في قلب الغابات والسفانا الفسيحة، حيث تتداخل الظلال وتتشابه الطرق، اجتمعت الحيوانات بدعوة من ملكها الأسد.
تدهورت صحته، وانتشرت الشائعات عن رحيله القريب إلى ترابه الأخير. ومع ذلك، لم يكن الخوف ما يشغله، بل فضول أخير: من سيجلس مكانه لتقرّ عينه؟
حكم طويلًا بقيم استمدّها من قوته وهيبته، ورتّب أخلاقياته بما يوافق مزاجه، ثم أقنع نفسه أنها توافق الجميع.
تجمّعت الحيوانات بسعادة لا توصف؛ حدث نادر، فالكل يستطيع ترشيح نفسه، من النملة حتى الفيل.
وقفت زرافة عالية العنق إلى جوار حمار الوحش، وقالت له بثقة:
— اذهب، وأعلن نفسك ملكًا، عندها نطمئن جميعًا.
أنا وأنت تهمّنا السفانا، وما يحدث في الغابة شأن لا يستحق التفكير.
تردّد الحمار لحظة، ثم دفع نفسه بين الحشود وهو يحدّث ذاته:
«إذا أمرتني الزرافة، فلا بد أنني أستحق الحكم. أنا طوّاف السفانا، لم أدخل الغابة يومًا، فلماذا القلق؟
نأكل، نسير، ونهرب… أليست هذه حياة كاملة؟»
وقف أمام الجميع، رفع رأسه بفخر، وقال:
— أُرشّح نفسي لمنصب الملك. واعدكم برفاهية الهدوء والسكينة وابتلاع الهواء الطلق.
ابتسم الأسد المتعب، وقال:
— إن أصبحتَ ملكًا، ماذا تطلب من رعيتك؟ وكيف تفرض احترامهم وأنت لم تتعلّم سوى الجري خلف ظلّ يحميك؟
أجاب الحمار دون تفكير:
— الانحناء لجلالتي، وعدم النظر إلى وجهي. هكذا أضمن طاعتهم وأبقى متفوّقًا عليهم. كلما مررتُ، انحنوا ونظروا إلى الأرض. الذل الذاتي هو أفضل حل لقمع الطموح.
لم تمضِ لحظات حتى ظهر فيل ضخم، مدّ بأنفه الثقيل في وجه الحمار:
— تسرّعتَ يا أحمق. من يتكلم مبكرًا يُعاقَب لاحقًا. من السهل أن تقول: أنا الملك، لكن الأصعب أن يقبلك الآخرون.
ستدفع ثمن كلماتك، وسيقولون: جاء الحمار الفاشل وذهب الحمار الفاشل… ولن تعود وديعًا كما كنت.
انسحب الحمار والزرافة مقهورين، مشوا مطأطئي الرأس، ومنكبّين على ظلالهم.
تردّدت الحكاية بينهما، مثل ندبة لا تُرى وسهام لا تلتقط.
قال الحمار:
— كان على الأسد أن يموت دون أن يسأل عن خليفة. ما شأنه بالمستقبل؟
ما أبشعهم حين يظنون أن الموت لا يعني فقدان السلطة! والحقيقة لا تدرك في القبور. والسياسة ليست عشبًا، والأغلبية لا تقود دائمًا إلى الاستقرار. مهزلة كشفت لنا عمق تفاهتنا.
ثم صمت لحظة، وأضاف:
— من يدير الحكم حقًا هو النمل الصغير المختبئ تحت الأرض… لا يُرى، لا يُسمَع، لكنه حين يتحرك تهتزّ التربة فوقه.
التفتت الزرافة بدهشة:
— أحقًا النمل يفعل ذلك؟ إذن فلنبتعد. أخشى من يحكم من حيث لا أراه. ولكن تصور لو كان للأسد ولد… هل تراه يتكرم علينا بالسلطة؟
ابتسم الحمار، وأشار نحو الغابة:
ستكون مفاجأة كبيرة لو حدث ذلك. كل شيء يتبدل… والآن نرى فيلًا يتقدّم إلينا ملكًا.
— الفيل، مهما عَظُم، يقتلع شجرة كاملة لأجل أوراق لا تشبعه، إنه أكثر قسوة من أن يُذكر في السكينة.
— أما النمل، فلا يحتاج أن نراه… يكفي أن نضيع الطريق.
عاد الأسد يسأل:
— تقدّم أيها الفيل، وقل كيف تضمن احترام الرعية؟
قال الفيل:
— لن أسمح لهم بالانحناء. سأجعلهم يزحفون. من يزحف أراه قبل أن يقف.
ضحك الحضور.
لم يضحك الأسد.
وانسحب الفيل مثقَلًا بخيبته، وهو يقول مزمجِرًا:
— أردت الحديث عن القيم والأخلاق الحميدة، ولكننا نعيش في غابة… اجعلوا من الغابة بيت العدل أولًا. كيف يستوي العاقل مع الجاهل؟ وكيف يقوى الضعيف بلا عادل؟
قال غراب حضر الاجتماع كمراقب:
— أقسى أنواع الحكم لا تقوم على الإذلال، بل على التيه. أخطر الملوك لا يطلبون الخضوع… يتركون الرعية تبحث بلا نهاية. ملك حاضر، وكل شيء غائب.
وفجأة، ظهر غوريلا أسود ضخم:
— مهلاً أيها الملك… أنا أُرشّح نفسي.
قال:
— لا انحناء ولا زحف. سأبني قصرًا فيه ألف غرفة، ولن أكون إلا في واحدة. من يجدني يصير ملكًا، وأتنحّى.
قال الأسد:
— وإن وجدوك؟
ضحك الغوريلا:
— لن يجدوني. أحتاج سنتين فقط لبناء القصر.
قال الأسد:
— إذن، أنت الملك.
تعالت الهتافات.
«سنعثر عليه، الأمر سهل».
همس الأسد في أذنه:
— كيف لن يعثروا عليك؟
قال الغوريلا:
— سأبني مئة غرفة متطابقة. كل غرفة بثلاثة أبواب، وكل باب يقود إلى غرفة تشبهها.
ثلاثمائة باب… والهواء نفسه يعيدهم إلى الداخل.
ومن يخرج… يكون قد نسي لماذا دخل.
عندها أريحه في سجنٍ معصوب العينين. ما أصعب أن تحكم أناسًا أذكياء.
ودّعه الأسد، وقال:
— لو جعلتهم ينحنون لكان أرحم. سيموتون جوعًا في دهاليزك… يطمعون، وأنت لا تفعل سوى العدّ.
ثم مضى:
— في زمني، كانت الهيبة تكفي. أما أنت، فلك وسائل لا تُكتب في مذكّرات الملوك.
وداعًا للقيم، حين تصير المتاهة وعدًا، والتيه وطنًا.
الأزل ليس لي… ولا لك، ولكن الخراب للجميع، ففكر قبل أن تَبني لهم الظلام.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .