سلسلة: محاكماتُ النَّجاة (4)
ليس كلُّ من نجا بريئًا… بعضُهم بَقِيَ ليُحاسَب.
حين تتحوّل النجاة إلى ثقافة
بقلم الكاتب: حسين عبد الله الراشد
_____________________________
ليست أخطر أشكال النجاة تلك التي ينفلت فيها الفرد من الخطر، بل تلك التي تستقرّ في الوعي، وتتحوّل من تجربةٍ عابرة إلى قيمةٍ مُدرَّسة، ومن استثناءٍ مؤلم إلى قاعدةٍ اجتماعية تُعاد صياغة الأخلاق على مقاسها.
عند هذه العتبة، لا يعود السؤال أخلاقيًا فرديًا، بل يصبح سؤالًا ثقافيًا عامًا:
كيف انتقلنا من نجاةٍ تُراجع الذات، إلى نجاةٍ تُعيد تشكيل المجتمع؟
حين تتحوّل النجاة إلى ثقافة، يبدأ المجتمع—دون إعلان—بإعادة ترتيب فضائله. لا تُلغى القيم صراحةً، بل تُعاد تسميتها:
تُستبدل الشجاعة بالحذر،
وتُختزل العدالة في السلامة،
ويُقدَّم الصمت بوصفه حكمةً ناضجة،
لا بوصفه انسحابًا أخلاقيًا.
في هذه الثقافة، يُكافَأ “الناجي الذكي”، لا لأنه عادل، بل لأنه لم يخاطر.
ويُقصى صاحب الموقف، لا لأنه مخطئ، بل لأنه “لا يفهم الواقع”.
هكذا يُعاد تعريف العقلانية: ليست قدرةً على التمييز بين الحق والباطل، بل مهارةً في تجنّب الكلفة.
الثقافة لا تُنشئ هذا التحوّل فجأة؛ إنها تبنيه ببطءٍ محسوب. تبدأ بنصائح بريئة:
“احفظ نفسك”،
“لا تتدخّل”،
“العالم لا يستحق”،
ثم تنتهي بمنطقٍ صلب:
البقاء أولًا، وما عداه قابل للتأجيل.
وحين يصبح البقاء معيارًا أعلى من العدالة، تتحوّل الأخلاق إلى سلوكيات انتقائية: نحتجّ حين يكون الاحتجاج آمنًا، ونصمت حين يكون الصمت مربحًا، ونتحدّث عن القيم ما دامت لا تُطالبنا بشيء. لا نكذب، لكننا نؤجّل الحقيقة. لا نبرّر الظلم، لكننا نؤجّل مواجهته. وهنا تكمن خطورة الثقافة: أنها لا تُجبرك على الشر، بل تُقنعك بأن الخير مؤجَّل.
في ثقافة النجاة، يُعاد إنتاج الخوف بوصفه خبرةً اجتماعية. يُدرَّس للجيل الجديد لا عبر المناهج، بل عبر الأمثلة اليومية:
من الذي صعد؟
ومن الذي خسر؟
ولماذا؟
يتعلّم الناس سريعًا أن النجاة ليست حدثًا، بل منهجًا للترقّي.
وحين تتجذّر هذه الثقافة، يتبدّل معنى المسؤولية. لا تعود سؤالًا عمّا ينبغي فعله، بل حسابًا لما يمكن تحمّله. يُقاس الموقف لا بصدقه، بل بدرجة المخاطرة فيه. ويغدو الضمير—تحت ضغط الجماعة—مرنًا بما يكفي ليُكيّف نفسه مع منطق السائد.
الأخطر من ذلك أنّ هذه الثقافة تُنتج خطابًا أخلاقيًا خاصًا بها؛ خطابًا يبدو عقلانيًا، متوازنًا، ومُقنعًا. خطابًا يقول لك:
لسنا جبناء، بل واقعيون.
لسنا صامتين، بل حكماء.
لسنا منسحبين، بل نُدير المعركة بذكاء.
وهكذا تُسحب المفاهيم من جذورها، وتُعاد زراعتها في تربة الخوف.
إن محاكمات النجاة، في هذه المرحلة، لا تعود محاكمة أفراد، بل محاكمة بنيةٍ كاملة: بنية تُكافئ السلامة على حساب المعنى، وتُقدّم النجاة بوصفها غايةً أخلاقية بحدّ ذاتها. وحين تبلغ الثقافة هذا الحدّ، لا يعود السؤال: من نجا؟ بل: أي مجتمعٍ نُنشئه حين نُعلّم أبناءنا أن ينجوا قبل أن يكونوا عادلين؟
لسنا هنا أمام دعوةٍ إلى التهوّر، ولا إلى إنكار حقّ الإنسان في السلامة. بل أمام مساءلةٍ صريحة:
متى تحوّل الحذر إلى عقيدة؟
ومتى صار الخوف قيمةً؟
ومتى أصبح الصمت مهارةً اجتماعية تُكافأ؟
حين تتحوّل النجاة إلى ثقافة، لا يُهزَم الحقّ بالقوة، بل يذبل بالإجماع. لا يُقمع الصوت، بل يُحاصَر بالمنطق. ولا تُلغى القيم، بل تُفرَّغ من قدرتها على الإلزام. وهنا، بالضبط، يصبح المجتمع ناجيًا… لكنه فارغ من الشجاعة.
________
وفي الحلقات القادمة من هذه السلسلة، لن نتوقّف عند تشخيص الثقافة، بل سنفتح ملفّها الأكثر خطورة:
حين تتحوّل هذه الثقافة إلى نظامٍ غير مرئي يحدّد من يُسمَع، ومن يُهمَّش، ومن يُكافَأ، ومن يُدان.
عندها، لن تكو
ن النجاة سؤال أفراد،
بل مسألة مصيرٍ جماعي.@
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .