السبت، 19 يوليو 2025

الطفل الذي بداخلي بقلم الراقية نور البابلي

 نور البابلي


الطفل الذي بداخلي


في زوايا روحي

يسكن طفلٌ لا يكبر،

يرتدي أجنحةً من أسئلةٍ

وأحلامًا ملوّنةً بالدهشة.


طفلٌ لا يقرأ كتب الفلسفة،

لكنه يُسائل الوجود كلّ صباح:

«من أنا…؟

وأيُّ معنى يحمله العبور في هذا التيه؟»


يؤمن أنّ الغيم سحابةُ أسرار،

وأن ضحكةً صافيةً

قادرةٌ أن تُرمّم شقوق القلب.


أراه في صمت الليل

حين يهمس لي أن لا شيء يضيع حقًا،

وأن دموع الأمس بذورُ الغد،

وأن الخوف حجابٌ رقيق

يمكن للدهشة أن تمزّقه.


ذلك الطفل لا يعرف لغة الأقنعة،

يضحك دون إذن،

ويبكي دون خجل،

يُلّون جدران الروح برسوماتٍ

لم يرسمها المنطق قطّ.


يُحدّق في انعكاسي بالماء،

وفي عينيه أرى دهشة الخلق الأوّل،

وسؤالًا أبديًّا

عن سرّ الذي يجعلنا نحيا

رغم ثقل المعرفة وخيبة الرجاء.


يسألني دون خوف:

«هل تنتهي الأرواح…

أم تذوب في ضوءٍ لا نراه؟»


يضحك في وجه العدم،

ويرسم دائرةً حول قلبه

يكتب فيها:

«هنا… يسكن الحبُّ الذي لا يفنى».


وحين يخذلني العالم،

ألوذ به،

أستعير عينيه كي أرى الأشياء

كما لو تولد للمرّة الأولى.


يعلّمني أن الزمن

ليس سكينًا يقتطع من أعمارنا،

بل مرآةٌ تُعيد تشكيلنا

كلَّ صباح.


يُذكّرني أنّ الحقيقة لا تُقال،

بل تُحَسّ،

وأن الذين حافظوا على طفلهم الدّاخلي

نجوا من الموت الحقيقي:

موتِ القلب.


وحين تصرخ الأسئلة في ليلي،

أجده جالسًا على حافة قلبي،

يبتسم كمن وجد الطريق،

ويهمس:

«العجز دليلٌ أنك ما زلت تبحث،

والبحثُ حياةٌ،

أما الاكتفاء بالإجابات… فموتٌ بطيء».


طفلٌ لا يخشى أن يهزمه البكاء،

لأنه يؤمن أنّ الدموع لا تُنقص الروح،

بل تغسلها من غبار التوقّعات.


يسألني في صمتي:

«ماذا يبقى منك لو نُزعت عنك الأسماء؟

من تكون حين لا تُعرَّفُ بشيء؟»

فأرتجف أمام سؤاله،

وأكتشف أنّني في حضرة المعنى العاري.


طفلٌ لا يقف عند حدود اللغة،

لأن قلبه ينطق بلغةٍ أعمق

من الحروف.


وفي حضرته،

أُدرك أنّ الطفولة ليست عمرًا مضى،

بل مقامًا في الروح،

وأن الذين لم يطفئوا هذا الطفل

ما زالوا يعرفون طريق الدهشة،

ويعرفون كيف يولدون

كلَّ يومٍ من جديد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .