السبت، 5 يوليو 2025

الدمية في مكان الطفلة بقلم الراقي عبد العزيز عميمر

 بقلم: عبدالعزيز عميمر

من الجزائر 


الدمية في مكان الطفلة :

   

    الطفلة الصغيرة تلعب أمام باب الدار،دميتها لا تفارقها أبدا،في الليل والنهار معها،تطعمها وتسقيها، تجمّلها وتغير لها الملابس، تلعب دور الأم بالضبط،تغني لها اغاني الأطفال،حفظتها من أجل مداعبة دميتها، ومساعدتها على الاستسلام للنوم .

ذلك اليوم بان صبيحة ربيعية،بعطر الزهور ورائحة الأعشاب والطين،لقد باتت الأمطار تتهاطل،وكأنها تقذف بدلاء الماء،ارتوت الأرض وخرجت الحشرات في الصباح تريد غذاءها الذي وفرته الطبيعة،وما جرفته الأمطار من البقايا الدقيقة،ستكون وليمة لكل المخلوقات الصغيرة، وخاصة العصافير،تعرف ذلك بحدسها وغريزتها.


مازالت الطفلة تنشد وتلاعب دميتها،وإذا بهزة أرضية،يقفز لها الناس فزعا وهلعا،تتسمر العيون،تعقب الهزة دوي انفجار،ونيران يعلو دخانها الأفق! فيحجب السماء !،وتجري الأم بحثا عن طفلتها،لا تجدها ،ولا تجد معلم مكانها تغيرت الأرض،حفر وشظايا،وبقايا أشياء،تطايرت اختلطت، وامتزجت أشياء بأخرى،تجري الأم ويطير حذاؤها ! وهي تنادي: زينب! ،أين أنت!؟ ردي علي ! أنا امك ! أين حبيبتي! وتسمع بعض الناس الفارين بثياب ممزقة: إنه صاروخ أطلقه الحلفاء. حسب افترائهم مصوب لجماعة ارهابية،اتخذت البيوت والناس كرهائن،تمت العملية بنجاح،إنها عملية جراحية ،لم تمس المواطنين،صورت ببراعة وتمت بدقة متناهية،وقد سلم كل المواطنين.


تبكي الأم !،تجري وتجري! وتتنفس بصعوبة!، تكاد تختنق وعيناها على كل شئ ، لعلها تعثر على طفلتها ، ويساعدها الجيران،وباء مسعاهم بالفشل،بعدما بدأت الشمس تميل نحو الغرب.


كانوا يبحثون عن الجسم لذلك لم يروه، لأنه تحول إلى قطع، تناثرت أجزاؤه في كل اتجاه،لوث المكان بدم البريئة، نقاط حمراء لونت الرمل والحجارة ،والشجيرات الصغيرة، تضامنت الطبيعة معها وتطوعت لتقف حزينة وفاء للطفلة،وتوشحت بالأحمر،البريئة لا تملك ناقة ولا جملا،كانت تحب دميتها وتلعب معها فقط،هذا كل مافعلته،راح الثغر المتبسم الذي ضحك للحياة وصاحبها مدة ست سنوات، لم يعرف الحزن طريقا إليها أبدا طيلة مرحها وقهقهة دميتها: هههه أمي، أمي،أمي !

 التقط الناس تلك الأشلاء ،والقطع التي استطاعوا رؤيتها ،أما القطع الدقيقة جدا فاختلطت مع تربة الأرض وحجارتها ،وتحتاج لغربال للتصفية ، ستضاف للأرض لتترسخ في ذاكرتها وتحكي للأجيال مأساة زينب! لفوها في قطعة قماش بيضاء،لكن الأم مازلت تقول : هاتوا لي ابنتي! هاتوا لي صغيرتي،سأقتل نفسي ! ياربي ،ابنتي لم تذنب ! إنها ملائكة!لماذا قتلوها، ولم يقتلوا الذي يتحكم في طعامنا! لم أجدها ،هاتوا لي على الأقل جثتها،أضمها أدخلها في في قلبي خوفا من الأذى،صدري لابنتي ،أعرف أنك هنا مختبئة أنت تلعبين الغميضة! أنا أعرفك ! لقد فعلت مثل المرة الماضية.

 ويعثر واحد من الجيران على الدمية،فيعطونها، ويوهمون الأم بأنهم وجدوا ابنتها،تختطفها منهم وتبكي بدموع حارة،انهضي ابنتي ،سأحضر لك الحليب مع الخبز والمربى،وكلي ما شئت! انهضي ! افتحي عينيك! سأعطيك ما تطلبين.

 أيعقل يفتح قبر للدمية على أساس أنها زينب! لم نقرأ هذا في التاريخ! ولا في في الميتولوجيا،بدعة اضطرارية .


   تذهب زينب! ويذهب صلاح الدين ! ويبقى الغرب الذي أهديناه مفتاح تاريخنا وتراثنا ، تبقى الصواريخ، ويبقى أشباه العرب، عذرا أشباه عرائس الدمى،الذين يركبون المرسيدس بفكر الناقة،ويدمرون أجسام أمتهم وصبيانهم بصواريخ دفعوا ثمنها من البترول، لتحميهم فقتلت زينب وأمثالها.


                  عبد العزيز عميمر الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .