الخميس، 3 يوليو 2025

العصور العابرة بقلم الراقي طاهر عرابي

"العصور الغابرة"
“العصور الغابرة” ليست عن زمنٍ مضى، بل عن الإنسان الذي لم يغادره قط، وإن غيّر قناعه.

في هذا النشيد الرمزي المتشظي، أكتبُ سيرةَ ارتباكي البشري، حيث تتكلم الوحوش والسنابل والجراد، وتتلاقى الأسطورة مع الواقع في مشهدٍ واحد.

قصيدتي لا تنظر إلى الوراء لتؤرّخ، بل لتسأل:
ما الذي لم يمت بعد؟

"العصور الغابرة"

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 21.04.2023 | نُقّحت في 02.07.2025

في العصورِ الغابرة،
كان كلُّ شيءٍ مُرتّبًا…
بإفراطٍ مريع،
شريعةٌ بلا جُمل، بلا حروف،
وفوضىٌ تنصّبُ نفسها
قانونًا للبقاء.

وحوشٌ تَعملُ بشريعتها العمياء
وقتَ الجوعِ والمصائب.
لا محافلَ للمفاوضات،
ولا قيمَ لحوارٍ دافئ
حولَ قتلِ الفيل،
أو جرِّ الحوتِ إلى اليابسةِ ليتعفّن.
لم تكنْ هناكَ عبودية… حتى بين الحمير،
الكلُّ حرٌّ
في حرصهِ وخوفه.

في تلك العصور،
لا تخفْ إن كنتَ أحمقًا
بين الوحوش،
فالعقاربُ العنقودية،
والأفاعي المجنّحة،
والتنانينُ…
سادةُ النارِ والبراكين،
ليست إلا خيالَنا،
حينَ نخترعُ لها أنيابًا
لنؤمنَ بجبروتِ الخوف.

سمّوها “رُعبَ الأساطير”،
وأولُ روايةٍ ضدّ السكينة،
ثم صارت… ضدَّ الحياة.


أشجارٌ تُثمرُ
لتُشبِعَ صغارَ القِرَدة،
وتماسيحُ تأكلُ التفاح،
ثم تتركُ ما يكفي لإفطارِ العصافير،
والعصافيرُ تشدو لها
كشُكرِ المساكينِ على أبوابِ المعابد.

لم تلدِ الكلمةُ شقاءً…
لا، أبدًا لم تلد.
كانت البهجةُ وحدَها تُحلّق،
لا تُزاحمُ أحدًا،
تلوذُ بالفرارِ
من المخلوقاتِ المتربّصة،
إلى أنْ اكتشفها صيّادٌ… فاشل.

هو من وضعَها في حلقِه،
ونسيَ… لماذا اصطادَها.
تعشّى بالحزنِ مطهوًّا بالغباء،
ثم نامَ… كأحمقٍ يشكو من الكوابيس،
مثلَ طيرٍ أسودَ
يحملهُ ويلقيهِ
على جبلِ الأفاعي،
دون ذاكرةٍ للعودة…
وهو من سمّى نفسه صيّادًا قط.


والجرادُ،
ذاكَ المخلوقُ المكروه،
بقدمينِ تُشبهانِ كُرسيَّ الملوك،
كان يكرهُ القمح،
ولا يُحبُّ السنابل،
مهما ثَقُلتْ،
ومالتْ على عنقِها.

يهديها للنملِ بسرور،
ويقول:
“اجري بسعادتي،
أنا عندَ شبعِ المخلوقات،
لا بدَّ من التنازلات،
ليتسنى لنا الحوار.”

لا بدَّ من الوُدِّ والعفّة،
حتى نفرحَ بعطرِ الورد.
علينا أن نُحبَّ المطر…
وهذا هو الواجبُ المقدّس،
في فسحةِ الحياة.

“لا تكرهوني… فلديّ أخلاق”،
قالها بصدق.
لكن لم يُصدّقه أحد.

فغضبَ… الجرادُ الطيف،
وأحدثَ مجاعةً لا تُنسى،
في حقلٍ…
سموه لاحقًا:
“حقلَ الحرب.”

كانت فيه حجارةٌ سوداء،
نبشتْ نفسَها من باطنِ الأرض،
وظهرت…
كي لا يفتتنَ بها أحد.


في العصورِ الغابرة،
لم يكن هناك مشرّدون،
ولا خيامٌ نُصبتْ لقضاءِ العمر
على عرشِ الصبرِ والانتظار.

لم يُلغِ أحدٌ
مفهومَ الأمل،
ولا المفاجأةَ السعيدة،
منذُ أوّلِ خيمةٍ
قلبتْها الرياح
على الأجسادِ تحت صقيعِ المواسم.

كانت هيئاتٌ أنيقة
تخرجُ لزيارةِ الحزن،
توزّعُ حبالًا أقوى لشدِّ الخيام،
وأوتادًا تُدقُّ بالحَجَر…
وصار الترفُ في المطارقِ
عيبًا بشعًا.

وكانت الأوطانُ مُحتلّةً
بدجاجٍ ساخرٍ وعملاق،
جلبوهُ من بطنِ جَورِهم،
أسكنوهُ مزرعةَ حقدهم،
وأحاطوهم بأسلاكِ خيبتهم،
في نصرٍ مزعومٍ للبشر.

زوارقُ الصيدِ حملتْ
من أصرّوا على الحياة
خارجَ الشرنقةِ السوداء،
هربوا،
تاركينَ التاريخ،
وآهاتِ ولادتهم بين الحجارة،
يحلمونَ بالعودة…
سبعينَ سنةً وهم يقظى.

والكلُّ يعلمُ أنَّ محطّتَهم تَلفَتْ،
ومرَّ عصرُ الحميرِ والبِغال،
وجاءَ عصرُ الأقمارِ الخبيثة.


في العصورِ الغابرة،
كانتِ الكراهيةُ
عنوانَ المؤتمراتِ الفاسدة،
وكانَ النشيدُ الرسميُّ
يُخفي سرَّ الغبار
على الوجوه.

وغولٌ بشعٌ
يبتلعُ الأطفال،
بأوامرِ القضاءِ الأمميّ،
لا بدَّ من التأكُّد من موتِ الطفل
قبلَ الولادة.

على بابِ الرحم، بلُغمٍ أرضيّ،
لنقول: مات…
ونُشاركُ في الحزن
بفرحِ البريءِ.

تقاربت العصورُ الغابرةُ
إلى غبارٍ أشدَّ حضورًا
من تاريخِ العبورِ الأول،
حين وقفتْ امرأةٌ
تعدُّ أفراخَ التماسيح،
وتُبارك أمهاتِهم،
وتعودُ…
وكأنها كانت تمثّلُ هيئةَ الأمم.


في تلكَ العصور،
نُصِّبَ ملوكٌ قساةٌ
في حقولِ القمح،
قريبةٍ من أفواهِ الجياع،
وعُلِّقت صُوَرُ الذين يزحفون
على طولِ الأرض،
خوفًا من انطباقِ السماءِ
على قلوبِهم وهم شاخصون.

لا نجدةَ تأتي من كهوف،
ولا من آبارِ النارِ السائلة.
لا مكانَ للقيمِ في عصرِ الغول،
المصنوعِ خصّيصًا للكذبِ والقسوة.
غولٌ متخفٍ تحتَ طلاءِ الجدران،
وحتى في غلايةِ سَلْقِ بيضِهِ الصباحيّ.

ما أغرب أنني وُلدتُ
بعدَ العصورِ الغابرةِ بساعات،
حتى إنّ جميعَ الألوانِ
صارتْ تغرقُ
في رماديّةِ السفهاءِ،
حين يقتلونَ صيدَهم البشري.

لم يتحطّمْ شيء
من تلكَ العصورِ الغابرة.
نُحبُّ اللهَ دونَ شقاء،
لكنْ… حتى في محبّتِه
نختلفُ ونتقاتل.

لقد ورثْنا الغضبَ من الغضب،
دونَ مقاول،
وأحببْنا أن نكونَ استثناءً
عن كلِّ المعاصي…
فهي – ببساطة – من عملِ العملاء.


من نحنُ
في زمنٍ يترنّحُ على حبالِ الفوضى؟
من نحنُ
في حربٍ تحملُ وعودًا
للحُبِّ… والحياة،
وتفشلُ في إطعامِ إنسان؟
متى صنعتِ الحربُ أخوّة؟

أصبحنا لا نتمتّعُ بشيءٍ
لا نعلمُ نهايتَه،
ونجدُ في بدايتهِ قلقًا.
من وضعَ البهجةَ بين يدينا؟
هل يفيضُ هذا
عن حاجةِ الغول،
أم أنّه ملاكٌ مطرودٌ
من براكينِ السماء؟

الذينَ ضربونا وأوجعونا
لم يأتوا من فراغ،
ولا هبطوا من غيمٍ بعيد،
ولا من العصورِ الغابرة،
ولا ينتمونَ إلى ثقافةِ الثقافات.

لكنّ حُلمَهم كان… أن لا نكون.
فضربوا الهواء،
وتنفّسوا الجريمة.


نُورِّثُ الثقةَ لنفسِها،
ونرحلُ… في خوفٍ منها،
لنكونَ قصّةً عابرةً،
من الجميع… إلى الجميع.

الحياءُ وُلدَ متأخّرًا،
لا في عصورٍ غابرة،
ولا في أخرى حاضرة.
واكتفى بوجوهِ المحرومين…
يعودون إلى الصيّادِ
بكوابيسِ الأفاعي على الجبالِ.

(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .