الأحد، 20 يوليو 2025

كيمياء البقاء بقلم الراقي طاهر عرابي

 "كيمياء البقاء "

رحلةٌ تأملية في جدليّة الوجود الإنساني، حيث يتقاطع الجمال بالحقيقة، والخوف بالحرية. أسأل: ما معنى البقاء؟ أهو غريزة أم اختيارٌ أخلاقي؟

أصغي للطبيعة، أراقب تفاعل الكائنات في صمتها، وأتأمل سبل النجاة من وحدة الإنسان… لا بالخوف، بل بالصدق. لا بالنفاق، بل بالحقيقة.


هذا النص دعوةٌ لمصالحة الذات، لكسر قيد الصمت، وللدفاع عن الإنسان الذي ينهض فقط حين يقول الحقيقة.

لست وحدك، ونحن معك…فالتفاعل مع كيمياء الحقيقة ليس خيارًا، بل ضرورة



كيمياءُ البقاء

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن، 13.09.2023 | نُقّحت في 21.07.2025


في عالمٍ يعُجُّ بالجمال،

نبحثُ عن الجمال،

ونفتّشُ عن الحقيقةِ في وهجِ الصورة.

لكن،

هل نجرؤُ على مديحِ الجمال

من غيرِ خوفٍ

أو تحيّزٍ للحيرةِ في صياغةِ الحق؟


الجمالُ، والحيرةُ، والحق…

كالعينِ، والكونِ، والإنسانِ… سرٌّ متّصل،

لكنّنا لا نملكُ حقَّ الحديث

لا مع من اختارَ الصمت،

ولا مع من اختارَ الكذب.

فنلوذُ نحنُ أيضًا إلى صمتِ الوحدةِ المُرعب،

نحملُ أعباءَ التعبِ بلا أنين،

وننتظرُ لحظةَ تحوُّلِ الدودة

إلى فراشةٍ

وحيدةٍ في ظلمةِ الشرنقة،

تنتظرُ عبورًا بلا عزاء…

كأنَّ المصيرَ محضُ صدفة.

هي فراشةٌ… ونحنُ بشرٌ،

وشرنقتُنا: صفاءٌ… وضميرٌ لا يخضع.


نُتقنُ الكتمان،

كي لا تُفضَحَ هشاشتُنا.

لكنّنا نحتفلُ سرًّا

بما لم نقُله يومًا،

ونَحلُمُ أن نراهُ يتلألأ

في عيونٍ بعيدة…

عيونِ أصدقاءَ لم نلمسْ أيديهم،

لكنّنا نُحبُّهم دون قلق،

ونلهو معهم بشغفٍ

يُشبهُ ضياعَنا في الوجود.

نتباهى بهم…

وهم يخفونَ ملامحَهم وأسماءهم،

نُراكمهم في صورٍ زرقاء،

ونجهل إن كانوا يزهرون.


سنواتٌ تمضي دون تفاعل،

رتابةٌ تلدُ رتابة،

ثمَّ شكوكٌ في جدوى الغد،

حيثُ لا جديدَ سوى الأمسِ العالق…

في رسائلَ تتكدّس،

لا انتظارًا لجواب،

بل لتقولَ:

“إنني أتفاعلُ…

في إناءٍ فوقَ حصيرةٍ،

تحتَ درجِ البيت،

بمصباحٍ خافت…

لم أودّعْ أحدًا،

ولم يفتقدْني أحد.

أنا موجودٌ،

وبالشكلِ الذي يُناسبني…

دونَ مرآةٍ،

ولا وسادةٍ من ريشِ الوزّ،

أتفاعلُ بنشاط…

لكنني أفقدُ الانتماء!”


لكن،

هل نملكُ جرأةَ الفعل؟

هل نملكُ شجاعةَ البحثِ عن معنى،

عن انتماء،

عن اتصالٍ بالآخرين؟

أم أنّ الوحدةَ قَدَرٌ بائس،

والتفاعلَ جنونٌ آخر مع النفس؟


لم ندرك بعدُ أننا جسدٌ واحد،

وأنّ الورودَ تُخفي في براعمِها

أسرارَ العطور،

كما يُخفي المحارُ في أعماقه لؤلؤةً

تتلألأُ على صدرِ امرأةٍ

تشعرُ أن البحرَ يحتضنُها…

كأنَّه وديعةُ وداد.


لم نلجْ بعدُ مملكةَ النملِ والنحل،

حيثُ الوفاءُ بلا خيانة،

وحيثُ الخيانةُ ليستْ سوى العدم.

نبحثُ عن مملكةِ الإخاء،

لكنّنا نتعثّرُ في الطمع،

ونتّهمُ المطرَ

بقتلِ خصوبةِ النفوس،

كأنَّ الطوفانَ وحده

مسؤولٌ عن جفافِ قلوبِنا.


ما زلنا نختبرُ كيمياءَ الوجود،

نُمسكُ بنارِ التجربة،

ونتزيّنُ بتراثِ الفجيعة،

لكنّنا لا نُحسنُ سوى تفاعُلِ القنابل،

وتفاعُلِ الجشعِ في زوايا الأرض.


فيما العصافيرُ لا تعرفُ الكراهية،

والأفاعي لا تفتكُ إلا بدافعِ الجوع،

تمضي بلا اكتراثٍ لحياةِ الآخرين…

كأنَّ البقاءَ تبريرٌ كافٍ للخراب،

الذي يتمدّد،

ونحنُ نُراقبُه كسيلٍ

انفتقَ من تكدّسِ العَفَن.


وعندَ العَفَن،

يسقطُ التفاعلُ بين الكائنات،

ويولدُ الحزنُ من رحمِ الفقد.

لكن… إلى متى؟


فالحزنُ ليسَ صديقًا للمخلوقات،

أمّا التغريد، فهو سيّدُ الحياة.


كم من الأشياءِ لم نُفكّر فيها جليًّا،

لكنّها تمضي في انسجامٍ خفي،

تقسو، وتترنّح،

ثم تلدُ يقظةً جديدة.


فالحقيقةُ تبقى…

ولا تكترثُ بفوضى المارقين،

حتى حينَ نلوذُ عنها نحن،

وحتى حين نحاولُ طمسَها بالنفاق،

تبقى… لتفاعلِ الخلود.


اقتلوا الخوف،

فهو الوحيدُ الذي يقتلُ دونَ عقاب.

قولوا الحقيقة،

إنكم ترون… ما لا تقوى عليه المرايا،

قبلَ أن تُصبحوا أنتمُ الخوفَ ذاته،

ذاك الذي يبتلعُ الفرح،

ويُطفئُ كلَّ لمسةٍ

على وجوهِكم الوحيدة.


كثيرٌ من القيمِ ستموت،

إن لم نُبارك الحقيقةَ في سعيها لنصرةِ الحياة.

فلنتباركْ إذن،

كي نصيرَ نحن، والطبيعة، والحقيقة

قلمًا واحدًا

يكتبُ بلا خوف.

فلنكتبْ بلا خوف،

فثمّةَ مَن يموتُ…

ولا تفاعلَ، ولا كيمياءَ تنقذه.

ما أقسى أن تُبدَّدَ عناصرُ القيم،

وتبقى الكيمياء تعبثُ بالفراغ.


نحنُ أحرارٌ في هذا الكون،

والأرضُ سيّدةٌ

تُرضِعُنا كيمياءَ البقاء…

فهل نُوفي لها دَينَها

بأن نعيشَ بلا كذب؟


انقلبَتِ الأواني

على خاصرةِ البحر،

فانكشفتْ كيمياءُ وجوهِنا…

وتكشّفَ الزيفُ.

اصطدنا أسماكًا تكرهُنا،

وبتنا نتبادلُ الصور!


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .