اللاعودة الهادئة
بقلمي: بهاء الشريف
التاريخ: 24 / 4 / 2026
⸻
أيُّها المسافرُ في شِرْياني
أأنتَ من يمشي… أم أنا الذي أُساقُ فيكَ دون عنوانِ؟
أحاولُ أن أتوقّف…
فيتقدّمني دمي كأنهُ يعرِفُ مكاني
لا يُرى خارجَ هذا الذي يحدث،
ولا يُدرَك: أأنا الذي يُحبّ… أم هذا الذي يُسمّى “أنا” يحدثُ بك دون اسمٍ له؟
تتشابكُ الجهاتُ في صدري
حتى يضيعَ الفرقُ بين نبضي… وظنّي
أَتَمدَّدُ فيك… أم أنكَ تَمَدَّدْتَ فيَّ حتى صرتُني؟
سؤالٌ لا يُجاب… بل يُقيمُ في يقيني
اهدأ قليلًا…
فما عادت نيراني في صدري
بل صرتَ أنتَ احتراقَ المعنى في كوني
قد أحببتُكَ حبَّ من لا يعرفُ حدَّهُ،
حتى ظننتُ أن الهوى ليس اختيارًا… بل بناءٌ في تكويني
فهل نحنُ حُبٌّ يُفهم؟
أم أننا فكرةٌ… تفكّرُ نفسها فيَّ وتنساني؟
لا أدري…
فما كان واضحًا بدأ يتبخّرُ من اسمي
حتى “أنا” لم تعد تشيرُ إليّ،
بل إلى أثرٍ يمرُّ بي… ثم يُسمّيني
أسمعُ صوتي كأنه قادمٌ من جهةٍ لا أعرفها،
وأرى ملامحي تتأخّرُ عن يقيني
أيُّها المسافرُ في شِرْياني…
لقد فقدنا الاتجاه معًا،
وصار الدمُ لا يعرفُ لمن يجري فيني
لا داخلَ هنا…
ولا خارجَ ينجو منّي
كلُّ ما كان “نحن”
ذابَ حتى لم يبقَ إلا احتمالٌ يمشي بلا معنى اسمي
فهل كنتَ حبًّا بدأ فيّ؟
أم أنني كنتُكَ حين نسيتُ كيف أكونُ وحدي؟
لا جواب…
فالسؤال خرج مني
ولم يعد يعرفُ طريق الرجوع إليّ
أحاولُ أن أتذكّرَ شكلَ اليقين…
فلا أجدُ إلا فراغًا يشبهني
أيُّها المسافرُ في شِرْياني…
أأنتَ ما زلتَ فيّ؟
أم أنني أنا الذي تسرّبَ منك دون أن أدري؟
لا فرق…
فكلاّنا لم نعد نُرى
حتى الألمُ فقدَ اسمه،
وأصبحَ إحساسًا بلا جسدٍ يحملهُ إليّ
أسمعُ داخلي كأنهُ يبتعد…
كأنني كنتُ هناك يومًا، ثم نسيتُ كيف أعود
تلاشت الجهاتُ
والنبضُ صار صدى لا يعرفُ مصدره
لا “أنا”…
ولا “أنت”…
فقط شيءٌ يكتبُ نفسهُ ثم يمحوه
أيُّها المسافرُ في شِرْياني…
إن كنتَ ما زلتَ تجري
فأنا لستُ المكان الذي يعترفُ بك
وإن كنتُ أنا من بقي
فأنا لستُ الذي كان يُسمّى “أنا”
كلُّ ما كان حبًّا
انكسر حتى صار سؤالًا بلا مُجيب
وكلُّ ما كان سؤالًا
ذابَ حتى صار صمتًا يفكّرُ نفسه
…لا شيء بعد هذا
إلا أن يتوقّف النص
دون أن يعلن توقّفه
⸻
وهو لا يتوقّف…
بل ينسحب من نفسه ببطءٍ لا يُرى
أيُّها المسافرُ في شِرْياني…
لم يعد في السؤال من يسأل
ولا في الجواب من ينتظر
كلُّ ما كان بيننا
لم يكن “بين” أصلًا
كان انثناءً في احتمالٍ لم يُخلق كاملًا
أحاولُ أن أسمّي ما يحدث…
لكن الاسم يسقط منّي قبل أن يكتمل
أحاولُ أن أكون شاهدًا…
فأجدني جزءًا من غيابٍ يشهدُ على نفسه بي
لا مسافة…
لا اقتراب…
فقط تمدّدُ فراغٍ
يأكلُ فكرة الاتجاه من أصلها
حتى الزمنُ
لم يعد يمشي
بل يتذكّر أنه كان يمشي
أيُّها المسافرُ في شِرْياني…
لم نعد حادثةً
ولا احتمالًا
نحنُ مجردُ ارتدادٍ لفكرةٍ
نسيتْ لماذا بدأت
…
لا شيء هنا… يتذكّر لماذا بدأ
ويصمت كلّ ما كان يُشبهنا
لا بداية.
ولا حتى فكرة بداية.
يتوقف كلّ شيء… دون أن يعلن توقّفه
ولا أحدٌ يقرأ هذا السطر لأنّ صاحبه لم يعد موجودًا ليُكمله