الأربعاء، 22 أبريل 2026

جذور النور في حقول الانكسار بقلم الراقي محمد شعوفي

 جذورُ النورِ في حقولِ الانكسار:


أكتبُ هذه الكلماتِ مستعيداً ما تعلمتُهُ من عتماتٍ ظننتُها نهايةً، فإذا بها بداياتٌ تتخفّى في هيئةِ انكسار.

أكتبُ لا لأحكي حكايةَ وجعٍ عابر، بل لأضعَ يدي على ذلك السرِّ الخفيِّ الذي يجعلُ الإنسانَ أكبرَ من كلِّ ما يُصيبه، وأرسخ من كلِّ ما يفقده.

لقد أدركتُ أنَّ الوعيَ لا يولدُ في أوقاتِ السلامةِ والهدوء، بل يتشكَّلُ في مواسمِ الاختبار، حيثُ يُمتحنُ المعنى، ويُعادُ صياغةُ الحياة.

بينما يظنُّ الناسُ أنَّ القلوبَ تموتُ حينَ تُوارَى التُّرابَ، وقفتُ ذاتَ ليلةٍ أتأمَّلُ سرَّ الخلودِ الذي لا تُحصيهِ الساعاتُ ولا تحصرُهُ الذكرياتُ.

سألتُ نفسي: كيفَ لأرواحٍ أنهَكَها الرحيلُ أن تظلَّ قادرةً على الإنارةِ؟

وكيفَ لغيابٍ كاملٍ أن يتحوَّلَ إلى حضورٍ أشدَّ كثافةً من الوجودِ المادِّيِّ؟

فأبصرتُ أنَّ بعضَ القلوبِ لا تموت، لأنَّها لم تعشْ حياةً عابرة، بل عاشتْ رسالةً تتجاوزُ أصحابها، وتستمرُّ بعدهم كأثرٍ لا يُمحى.

حينَ نودِّعُهم تحتَ الترابِ، لا ينتهون، بل يبدأون بطريقةٍ أخرى.

أراهم بعينِ الروحِ وهم يُنبتون في الذاكرةِ سنابلَ من نور، يشقُّون عبابَ الليلِ الثقيل، كأنَّهم أدركوا سرًّا لم ندركه بعد: 

أنَّ الظلامَ ليسَ إلا رحمًا خفيًّا للضياءِ.

ينتصبون في داخلي قاماتٍ من معنى، يذكِّرونني بأنَّ ما يُدفنُ في الأرضِ لا يضيع، بل يتحوَّلُ إلى جذورٍ تُغذّي الحياةَ من أعماقها.

ومن هنا، تعلَّمتُ أنَّ ما يُنتزعُ منِّي ليسَ جوهري، بل قشورٌ كانت تلتصقُ بي زيفًا.

أمَّا الجوهر، ذلك السرُّ العميقُ الذي يسكنني، فلا سلطانَ للأيامِ عليه.

لقد جرَّبتُ أن تُسلبَ منِّي أشياءُ كثيرة، لكنِّي لم أرَ يومًا أنَّ الحياةَ قادرةٌ على أن تسلبني إرادةَ النهوضِ.

لأنَّ هذه الإرادةَ ليستْ هبةً من الواقع، بل عهدًا خفيًّا بيني وبين المعنى الذي خُلقتُ لأجله.

أمشي… 

ولو تثاقلتِ الخطى، ولو تكدَّستِ الندوبُ في جسدي كخرائطَ لمعاركٍ قديمةٍ لم تُحسمْ بعد.

لم أعدْ أنتظرُ أجنحةً لم تُكتبْ لي، لأنَّ الانتظارَ

—وقد اختبرتُهُ—

كان نوعًا من التخلّي عن الذات.

لقد تعلَّمتُ أنَّ قدميَّ، رغم ما بهما من تعب، أصدقُ من ألفِ جناحٍ مؤجَّل.

صمودي لم يعُدْ عودةً إلى ما كنتُ عليه، فالماضي

—كما أدركتُ—

مرآةٌ مكسورة، لا تعكسُ إلا صورًا مبتورة.

بل صار صمودي تحوُّلًا إلى ما لم تكنِ الآلامُ تتوقَّعه مني: 

أن أكونَ زهرةً في حافةِ السقوط، أو معنىً يولدُ من قلبِ الاحتراق، أو صوتًا هادئًا ينجو من ضجيجِ الانكسار.

لم أعدْ أقاومُ الحياةَ كمن يُحاربها، بل كمن يفهمُها.

أعانقُ الجرحَ حتى يصيرَ في داخلي نبعًا خفيًّا، وأحوِّلُ الخسارةَ إلى بصيرة، والتعبَ إلى وعي، والصمتَ إلى يقين.

وحينَ أتأمَّلُ هذا التحوُّل، أرى أنَّ الانتصاراتِ الحقيقيةَ لا تُعلنُ، بل تُحسُّ في صمتِ الروح.

أشعرُ أنَّ الكونَ—بكلِّ اتساعه—يصمتُ لحظةً احترامًا لهذا الصبرِ الذي لا يُرى، وكأنَّ النجومَ تزدادُ بريقًا لا لتُضيءَ الطريقَ فحسب، بل لتشهدَ أنَّ الإنسانَ إذا صدق، صار أثرًا لا يُكسر، ودرسًا لا يُمحى.

واليوم، وأنا أخطُّ هذه الكلماتَ في ربيعِ عامِ ألفين وستةٍ وعشرين، أجدُني أكثرَ يقينًا بأنَّ الوعيَ لا يُمنح، بل يُنتزعُ من قلبِ التجربةِ المرَّة.

لم أعُدْ أؤمنُ بالأماني التي لا تسندها إرادة، ولا بالبداياتِ التي لا تمرُّ عبر الألمِ كجسرٍ إلى النور.

لقد صار قلبي

—بعد كلِّ ما مرَّ به—

قنديلاً لا ينطفئ، لا لأنَّ الريحَ غابت، بل لأنِّي تعلَّمتُ كيفَ أجعلُ من جرحي زيتًا للضياءِ.

ولهذه الأسباب ومن أجلها ، 

إن كنتُ أتركُ لكَ شيئًا من هذه الكلمات، فهو هذا المعنى:

لا تنتظرْ أن تُمنحَ أجنحةً، فقد لا تأتي أبدا.

اصنعْ من تعبكَ طريقًا، ومن جراحكَ نورًا، ومن صبركَ حياةً أخرى.

فإنَّ الذينَ يصمدون بوعيٍ، لا ينجون فقط… 

بل يزرعون في الزمنِ معنىً لا يموت، ويغرسون في الوجودِ جذورًا لا يبلُّه الفناءُ.

بقلم:

د. محمد شعوفي

23 أبريل 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .