(ماذا لوكان للمرايا ذاكرة ؟)
لو كان للمرايا ذاكرة أو عين خفية تحتفظ بكل ما يكون أمامها لما كانت مجرد سطحٍ يعكس الوجوه، بل كانت أرشيفاً صامتاً لكل حركة وسكنة.
كانت ستعرفنا أكثر مما نجرؤ نحن على معرفته عن أنفسنا. فهي موطن أسرارنا الأول ذلك المكان الذي لا نحتاج فيه إلى لغةٍ ولا إلى تفسير . نقف أمامها فننحسر قليلاً عن كل ما نظهره للعالم وكأننا نعود إلى نسختنا الأولى إلى ما قبل أن نتعلم كيف نرتب ملامحنا ونختار تعبيراتنا بعناية.
أمام المرآة نتعرّى لا جسداً فقط بل روحاً أيضاً . نسقط كل ما نحمله من ادعاء ويظهر التعب بلا مقاومة والارتباك بلا تجميل . هناك لا أحد يرانا إلا نحن وهي ومع ذلك نكون أقرب إلى صدقنا من أي حضورٍ آخر.
وكأن هذا العري لا يحتمل طويلاً نعود إليها مرة أخرى لكن بصورةٍ مختلفة. لا نغادرها كما دخلناها . نرتدي أمامها ما نحب أن نبدو عليه لا ما نحن عليه . نُعيد ترتيب وجوهنا كما نعيد ترتيب حياتنا في الخفاء . نخفف من ثقل العينين نصلح انكسار النظرة ونختار ابتسامة تبدو صالحة للمرور أمام الآخرين .
المرايا ترى هذا التحول كله وترى الإنسان حين ينسحب من نفسه ثم حين يعود ليصنع نفسه من جديد . ترى العري الأول ثم ترى التجمل الذي يليه وكأن بين اللحظتين حياةً كاملة تُختصر في وقفة .
ولو كانت لها ذاكرة لاحتفظت بكل ذلك بلا انحياز وستتذكرنا حين كنا أقرب إلى حقيقتنا وحين لم يكن بيننا وبين وجوهنا أي مسافة . وستتذكرنا أيضاً حين كنا نصوغ أنفسنا بعناية كأننا نخاف أن يفضحنا الصدق أكثر مما يحمينا .
هي تعرفنا في لحظة سقوط القناع وتعرفنا في لحظة ارتدائه من جديد . وبين الاثنين لا تحكم علينا لكنها تراكِمنا في صمتها طبقة فوق طبقة حتى يصبح كل منا كتاباً مفتوحاً لا يقرأه سواه.
المرايا ليست انعكاساً فقط إنها شاهدٌ لا ينسى يعرف كيف نكون حين نتعرى من كل شيء وكيف نعود لنرتدي أجمل ما نخفي به حقيقتنا عن الآخرين .
وأخيراً بعد افتراضنا هذا كله ...ماذا لو حكم علينا أن نجمع أسرارنا من كل مرآة وقفنا أمامها ... ألا نخجل من الله ؟!
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .