الجمعة، 24 أبريل 2026

الفجر الأول بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 الفجر الأول 

من عبقِ التاريخِ، حين كان الصبحُ يتنفّسُ أوّلَ أنواره فوقَ جبالِ مكة، وحين كانت الأرضُ تتهيّأ لحدثٍ يبدّلُ وجهَ الزمان، انشقَّ سكونُ الغارِ عن كلمةٍ لم تكن حرفًا يُتلى فحسب، بل كانت ميلادَ الإنسانِ من جديد: اقرأ.


لم تنزلْ أمرًا للسانِ وحده، بل نداءً للعقلِ أن يستيقظ، وللروحِ أن تعود، وللقلبِ أن يعرفَ من أين جاء وإلى أين يمضي. 


كانت اقرأ بابًا فُتح بين الترابِ والسماء، بين ضعفِ المخلوقِ وكمالِ الخالق، بين الحيرةِ والنور.


وفي تلك اللحظةِ المباركة، لم يكن المقصودُ جمعَ الكلماتِ في السطور، بل جمعَ الشتاتِ في الصدور. 


أن يقرأ الإنسانُ نفسَه، ويقرأ أثرَ القدرةِ في الكون، ويقرأ أسماءَ الرحمةِ في تفاصيل الحياة. فمن عرف القراءةَ بهذا المعنى، لم يعد أمّيًّا وإن جهل الحروف، ومن جهلها بقيَ في ظلمةٍ وإن ملأ الصحائفَ كتابةً.


وكان سرُّ نزولها أولاً أنّ البناءَ يبدأ من الوعي، وأن الرسالاتِ لا تقومُ على السيفِ قبل البصيرة، ولا على الصوتِ قبل المعنى، ولا على الحركةِ قبل الهداية. 


فالكلمةُ التي تبدأ باسمِ الله تصنعُ أمةً تعرفُ قدرَها، وتمشي في الأرضِ وقلبُها معلّقٌ بالسماء.


وكانت تلاوةُ الكلماتِ يومئذٍ خشوعًا خالصًا، ترتجفُ له الأرواحُ قبل الآذان، لأنّها خرجت من عند الحقّ، فعادت بالعبدِ إلى ربّه. كلُّ آيةٍ كانت سُلّمًا من ضيقِ الدنيا إلى سعةِ الطمأنينة، وكلُّ حرفٍ كان غيثًا ينزلُ على أرضٍ عطشى منذ قرون.


فارتبطت الروحُ بخالقها، لا برهبةِ الأمر فقط، بل بحنانِ النداء؛ إذ قال: اقرأ باسم ربك، فجعل الاسمَ الكريمَ مأوى القلبِ قبل أن يجعل القراءةَ زادَ العقل. 


وهكذا تعلّم الإنسانُ أن المعرفةَ إذا انفصلت عن ربّها صارت تيهًا، وإذا اقترنت به صارت نورًا ورحمة.


ومن هناك، من فجْرِ الغار، ابتدأ تاريخٌ جديد؛ صار فيه القلمُ شاهدًا، والكتابُ رسالةً، والعلمُ عبادةً، والتأملُ طريقًا إلى اليقين. 


ومن فهم سرَّ اقرأ علم أنّ أوّلَ ما يُبنى في الإنسان ليس يده، بل بصيرته؛ وليس لسانه، بل قلبه.


من هذا المعنى، ومن ذلك الفجرِ الأوّل، يبدأ الحديثُ عن سرِّ أولِ حملِ القلم…


ثم من ذلك الفجرِ الأول، بقيت اقرأ أكثرَ من أمرٍ بالمعرفة؛ بقيت نداءً إلى العمق الإنساني الكامن فينا، إلى ذلك الموضع الخفيّ الذي لا تبلغه العيونُ ولا تُدركه المقاييس. 


فهي تذكيرٌ بأن الإنسان لا يُبنى بما يملك، بل بما يصدق، ولا يسمو بما يقول كثيرًا، بل بما يقول حقًّا.


وفي خفايا النفسِ أسرارٌ لا يفتحها إلا حرفٌ خرج من قلبٍ مؤمن، وسار على لسانٍ صادق، فبلغ الأرواحَ قبل الأسماع. 


فالكلمةُ إذا وُلِدت من رحمةٍ كانت بلسمًا، وإذا خرجت من يقينٍ كانت نورًا، وإذا سكنتْها النيةُ الطيبةُ صارت حياةً في قلوبٍ أنهكها التعب.


وليس كلُّ كلامٍ يُقال يُصيب، ولكنّ الكلمةَ التي تتطهّر بالصدق، وتتزيّن بالإيمان، وتُسقى من عين الرحمة، تعرف طريقها إلى الروح دون استئذان. 


تقع فيها وقوع الغيث على الأرض العطشى، وتوقظ فيها ما نام من أمل، وما خفت من طمأنينة.


هكذا كان سرُّ الحرف الأول، وهكذا يبقى: أن يكون اللسانُ رسولَ قلبٍ نقي، وأن تكون الكلماتُ جسورًا بين الناس لا جدرانًا، وأن يحمل الإنسانُ في منطقه رحمةً كما يحمل في علمه نورًا.


فإذا نطقتَ، فانطق بما يداوي. وإذا كتبتَ، فاكتبْ بما يُحيي. وإذا قرأتَ، فاقرأ بقلبٍ يعرف أن أجمل الكلمات ما لامست الروح، لأنها خرجت أولًا من روحٍ صادقة.


الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .