رَاحِلةُ الهَوْدَج
ألا يا رُبى البيدِ هل تذكرينَ صِباً
تنامى على مقلتيهِ الهوى فاستَبى
نشأنا وجارُ الديارِ لنا موئلٌ
نُسارِقُ من طرفِها النورَ إذ يختبى
فما كان بيني وبينَ التي قد هَوِيتُ
سوى لحظِ عينٍ يُجيبُ وأخرى تلبي ما وجب
نُحادثُ بالصمتِ أشواقَنا كلما
تلاقى على البعدِ جفنانِنا ما إقتضبَ
وأُخفي لظى الحبِّ في الصدرِ مستعِراً
وأكتمُ ما في الضلوعِ وإن كان قد ألهبا
فلما بلغتُ وشدَّ الفؤادُ الخطى
أتيتُ أباها أُريدُ القِرانَ وما كُتِبا
فقالوا: "لها من قديمٍ عهودٌ مضت
وذاك ابنُ عمٍّ لها منذُ كانت صِبَا
فعُدتُ كسيرَ الجناحِ أجرُّ الأسى
وأحملُ في القلبِ قبراً لحلمٍ هوى انتحبى
وجاءوا بها يومَ عُرسٍ على زينةٍ
يُزفّونها فوقَ ظهرِ البعيرِ كما الطربُ انتدبا
وأصواتُ نسوةٍ تُغنّي وترفعُها
كأنّ الرزايا تُزيَّنُ بالألحُنِ العَجَبا
وقفتُ بعيداً أراقبُ موكبَهم
كأني غريبٌ يُشيّعُ روحاً لهُ قد ذهبا
فلمّا اعتلت هودجاً فوقَ سابحةٍ
رمتني بطرفٍ كسيفِ الأسى إذ شجب
رأتني ورأت ما بعيني من اللهيبِ
ففاضت دموعُ المآقي وقالت بلا لفظِها اقتربا
فما كان إلا سكونُ الدموعِ إذا
تلاقى على البعدِ قلبانِ وانسحبَ
فأضرمتِ الرمقةُ النارَ في أضلعي
فصرتُ رمادَ الهوى والأنينُ اكتسى لهبا
أيا ليتني متُّ قبلَ الفراقِ الذي
رأيتُ بهِ العمرَ ينهارُ في لحظةٍ اغتصبَ
فما عاد لي في الديارِ رجاءٌ ولا
بقي غيرُ طيفٍ يُعذّبُ قلبي إذا اقتربا
محمد اخليفه بن عمار
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .