الثلاثاء، 5 مايو 2026

رأيته بعد طول فراق بقلم الراقية سماح عبد الغني

 رَأَيْتُهُ بَعْدَ طُولِ فِرَاقٍ،


بقلم الصحفية/ سماح عبدالغنى 


 وَرَأَيْتُهُ بَعْدَ طُولِ فِرَاقٍ فَزَادَ مِنْ هَمِّي

أَمْ أَنَّهُ أَثَارَ فِيَّ رَمَادَ الْمَاضِي الدَّفِينِ؟!

يَا تُرَى مَاذَا يُرِيدُ مِنِّي؟!

وَمَاذَا وَرَاءَهُ حَتَّى يُرِيدَ أَنْ يَرَانِي؟!

قَابَلَنِي وَقَابَلْتُهُ بِجُمُودِ قَلْبٍ لَا يُرِيدُ أَنْ يَتَذَكَّرَ

وَفِي الْمُقَابِلِ قَابَلَنِي وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْنِي يَوْمًا

كَانَ قَلْبِي يَشْتَعِلُ بِثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ وَيَبْكِي دُونَ أَنْ يُثِيرَ الرِّيبَةَ

كُنْتُ ثَابِتَةً بَارِدَةً لَا أُحَرِّكُ سَاكِنًا لَهُ

الصَّمْتُ كَانَ حَلِيفِي وَأَنَا أَسْمَعُهُ!!

وَبِالْمُقَابِلِ هُوَ كَانَ ثَائِرًا

كَانَتْ أَسْئِلَتُهُ تَنْطَلِقُ كَالسِّهَامِ: 

لِمَاذَا تَرَكْتِنِي؟ لِمَاذَا هَجَرْتِ قَلْبِي وَأَنَا الْمُمْسِكُ بِهِ؟

وَأَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا نِهَايَةٌ وَلَا إِجَابَةٌ؟!

يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّهُ مَهْمَا ابْتَعَدْتُ، وَأَنَا فَقَطْ مَنْ أَسْأَلُ عَنْهُ

لَا يَعْلَمُ بِأَنِّي تَعِبْتُ وَنَفِدَ صَبْرِي مِنْهُ

كَانَ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِي؟!

وَأَنَا لَا أَعْلَمُ إِنْ كُنْتُ حَزِينَةً عَلَى حَالِهِ أَمْ سَعِيدَةً

كُلُّ مَا أَعْلَمُهُ أَنِّي كُنْتُ أُرِيدُهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَفْسِ الْكَأْسِ

 الَّذِي تَجَرَّعْتُ مِنْهُ مِرَارًا وَتِكْرَارًا

وَالْآنَ جَاءَ يَعْتَذِرُ وَيَطْلُبُ الصَّفْحَ وَالْغُفْرَانَ

قُولُوا بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟!

وَأَنَا الَّتِي عَانَيْتُ وَتَجَرَّعْتُ مَرَارَةَ الْغِيَابِ

وَحِينَ احْتَجْتُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ

قَلْبِي أَرَادَ الِاسْتِسْلَامَ وَعَقْلِي لَا يَسْتَسْلِمُ

وَالِاخْتِيَارُ صَعْبٌ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالْبُعْدِ

فَبَعْدَ أَنْ الْتَأَمَ جُرْحِي وَتَعَوَّدْتُ بُعْدَهُ، جَاءَ بِكُلِّ سُهُولَةٍ فَفَتَحَ الْجُرْحَ دُونَ أَنْ يَدْرِي

يَا لَيْتَهُ مَا عَادَ

رَأَيْتُهُ فَتَهَدَّمَتْ حُصُونِي

 وَتَكَسَّرَتْ أَسْوَارِي الَّتِي شَيَّدْتُهَا حَوْلِي

رَأَيْتُهُ فَمَالَ الْقَلْبُ وَتَسَارَعَتْ نَبَضَاتُهُ وَدَقَّ بِهِ

لَكِنَّ الْعَقْلَ مُصِرٌّ أَلَّا يَغْفِرَ

لَا، لَا، لَنْ أَغْفِرَ، لَنْ أَسْتَسْلِمَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى

كَفَانِي مِنْهُ الْجِرَاحَ وَمَا يَنْزِفُ

أَخَافُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ بَعْدَ هَذَا الْبُعْدِ، وَأَخَافُ بَعْدَ أَنْ زَهِدْتُ وَتَأَقْلَمْتُ زُهْدِي أَنْ أَسْتَسْلِمَ

اذْهَبْ وَابْتَعِدْ فَأَنَا لَنْ أَرْجِعَ

فَالرُّجُوعُ إِلَيْكَ بَعْدَ وَعْيِي غَيْرُ مُبَاحٍ

لَقَدْ نَفِدَ رَصِيدُكَ وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ السَّمَاحِ

وطن النبضين بقلم الراقي بهاء الشريف

 وَطَنُ النَّبْضَيْنِ


بِقَلَمِي: بَهَاءُ الشَّرِيف

التَّارِيخ: 5 / 5 / 2026



لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْكِ…


بَلْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي

يُفْقِدُنِي حُجَّتِي فِي النِّسْيَان،


فَجِئْتِ أَنْتِ…


وَأَسْقَطْتِ كُلَّ مَا كُنْتُ أَتَظَاهَرُ بِهِ

مِنْ هُدُوءٍ.



لَوْ كَانَ القَدَرُ هُوَ مَنْ سَاقَنِي إِلَيْكِ،


فَأَنَا مَنِ اخْتَارَ أَنْ أَبْقَى…


وَأَجْعَلَ مِنْ حُضُورِكِ وَطَنًا

لَا أُغَادِرُهُ.



لَمْ يَكُنْ عِشْقُكِ صُدْفَةً عَابِرَةً،


بَلْ يَقِينٌ تَسَلَّلَ إِلَيَّ بِهُدُوءٍ،


حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِي…


حَقِيقَةً لَا تُمسّ.



تَقُولِينَ: اقْتَرِبْ…


وَأَنَا مُنْذُ البِدَايَةِ لَمْ أَكُنْ بَعِيدًا،


كُنْتُ أَسْكُنُكِ

كَمَا يَسْكُنُ النَّبْضُ صَدْرَهُ،


وَكَمَا تَخْتَبِئُ الرُّوحُ فِي أَنْفَاسِهَا.



سَأَقْتَرِبُ…


لَا لِأَتَنَفَّسَكِ فَقَطْ،


بَلْ لِأَذُوبَ فِيكِ…


حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْنَنَا

سِوَى شَيْءٍ وَاحِدٍ


يَتَنَفَّسُنَا مَعًا،


وَلَا نَعْرِفُ: أَنَا هُوَ… أَمْ أَنْتِ أَنَا.



تَعْرِفِينَ مَا يَعْنِي أَنْ أُحِبَّكِ أَنَا؟


أَنْ أَكْفُرَ بِفِكْرَةِ الاكْتِفَاءِ،


وَأَبْتَدِعَ فِيكِ نَقْصِي الَّذِي

لَا يُشْبِعُهُ سِوَاكِ.



أَخَافُكِ…


لَا لِأَنَّ فِيكِ خَطَرًا،


بَلْ لِأَنَّكِ تُسْقِطِينِي مِنِّي،


فَأَرَى نَفْسِي لَا تُشْبِهُنِي

إِلَّا عِنْدَمَا أَكُونُ فِيكِ.



رُوحُكِ حِينَ لَامَسَتْ رُوحِي،


لَمْ تَتْرُكْ فِيهَا مَكَانًا لِغَيْرِكِ،


لَكِنَّهَا عَلَّمَتْنِي…


أَنَّ الحُبَّ لَا يَمْحُو مَلَامِحَنَا،


بَلْ يَكْشِفُ وَجْهَنَا الَّذِي

لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ.



أُحِبُّكِ…


لَا لِأَنَّكِ كُلُّ الحَيَاةِ،


بَلْ لِأَنَّكِ تَجْعَلِينَ الحَيَاةَ

مُمْكِنَةً مِنْ دُونِهَا.



وَمَكَانُكِ فِي قَلْبِي…


لِأَنَّكِ أَنْتِ،


الَّتِي حِينَ حَضَرْتِ…


غَابَ عَنِّي كُلُّ مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ

ثَابِتًا.



أَمَّا أَنَا بِدُونِكِ…


لَا أَمُوتُ…


لَكِنَّنِي أَصِيرُ شَيْئًا

لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ.



يَا أَنْتِ…


وَعَلَى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لَا التَّمَنِّي،


أَنَا هَذَا المَسَاءُ…


وَمَا بَعْدَهُ لَكِ،


نَبْضًا يَتَعَلَّمُ مَعَكِ

أَنْ يُخْطِئَ اسْمَهُ لِيَحْيَا.



إِنْ سَكَنَتِ الأَبْجَدِيَّاتُ قَلْبِي،


فَأَنْتِ لَسْتِ مَعْنَاهَا…


بَلْ أَنْتِ الَّتِي أَجْبَرَتْهَا

أَنْ تَصْمُتَ.



وَإِنْ كَانَ لِلْعَبِيرِ طَيْفٌ…


فَهُوَ مِنْكِ يَبْدَأُ…


وَعَلَيْكِ يَنْهَارُ.



تَقُولِينَ إِنَّكِ تَسْتَرِيحِينَ فِي كَلِمَةٍ مِنِّي،


وَأَنَا لَمْ أَعُدْ أَسْتَرِيحُ

فِي أَيِّ شَيْءٍ إِلَّا فِيكِ.



دِفْئِي…


لَا يَكُونُ إِلَّا بِكِ،


فَالشِّتَاءُ دُونَكِ

لَيْسَ بَرْدًا…


بَلْ فَارِغٌ مِنَ المَعْنَى.



مَدَدْتِ لِي حُبَّكِ…


فَجِئْتُكِ لَا كَبَرْقٍ، وَلَا كَنُورٍ،


بَلْ كَخَطَأٍ جَمِيلٍ

لَا أُرِيدُ تَصْحِيحَهُ.



آتِيكِ…


لَا كَخَيْلٍ يَجْرِي،


بَلْ كَشَخْصٍ يَتَعَلَّمُ

أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكِ هُوَ الْوُصُولُ نَفْسُهُ.



وَلَا كَنَسْرٍ، وَلَا كَجَنَاحٍ…


بَلْ كَسُقُوطٍ مُتَعَمَّدٍ

فِي صَدْرِكِ.



تَعَالَيْ…


لَا لِنُسْكِتَ الشَّوْقَ،


بَلْ لِنَكْتَشِفَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَوْقًا…


بَلْ كُنَّا نَحْنُ

نُجَرِّبُ أَنْ نَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا.



وَتَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ اللُّغَةُ…


لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ

مَنْ يَتَكَلَّمُ.

أثقال الأماني المؤجلة بقلم الراقي محمد شعوفي

 أثقال الأماني المؤجلة:


ثمة لحظة تمرّ على كل إنسان، حين يلتفت فجأة إلى ما خلفه فلا يجد سوى الظلال.

لا يجد أحلاماً تحققت، ولا أمانيَ أُطلقت، بل يجد فقط تلك الأثقال الصامتة التي راكمها طوال عمره تحت مسمى «لاحقاً»، حتى صارت هي الإرث الوحيد الذي لم يختره.

نحن لا نكبر فجأة، بل نثقل ببطء تحت وطأة ما لم نجرؤ على البدء به.

كثيراً ما نخرج من دورة الحياة ولم نختبر جوهرها بعد.

نمرّ على أيامنا كظلال عابرة لا أثر لها؛ نؤجل الفرح كأنه ذنب، ونؤخر الحب كأنه عبء، ونضع البدايات الجميلة في أرشيف «وقتٍ آخر» لا نملك ضمانة لمجيئه.

والغريب في أمر هذه الأثقال أنها لا تُرى، لكنها تُحسّ في كل صباح حين يستيقظ الإنسان وفي روحه شيء يشبه الدَّين، دَين للحياة لم يسدّده بعد.

تلك العبارة التي نهمس بها لأنفسنا في غفلة من الوعي: «فيما بعد»… هي التي تُضاف كل يوم إلى الحِمل دون أن ندري.

نحسبها استراحة عابرة أو تأجيلاً مؤقتاً، فإذا بها تتحول إلى قطيعة أبدية وندم مقيم.

أكتب هذه الكلمات والوجدان يعتصره إدراك حاد؛ ليس على لحظات ضاعت فحسب، بل على حيوات كاملة انحنت تحت ثقل الأماني التي لم تُعَش.

لا أروي هنا حكاية عابرة للتسلية، بل أفتح جرحاً غائراً في الوعي الإنساني الجماعي؛ جرح الأمنية التي تتحول بمرور الوقت من جناح يريد أن يحلّق إلى صخرة تجثم على الصدر.

لقد كنا نظن، في سذاجتنا الوجودية، أن الزمن رفيق رحيم يمنحنا صكوكاً مفتوحة من الفرص.

ركنّا أحلامنا في زوايا النسيان، ووضعنا كلماتنا الصادقة في رواق الغياب… انتظاراً لظروف تكتمل، أو سكون يأتي، أو لحظة استعداد موهومة.

لكنني أدركت، بعد فوات الكثير، أن الزمن كائن لا يعرف الانتظار، وأن الحياة لا توقّع معنا عقوداً بالصبر الأبدي على تردّدنا.

كم من أمنية بدأت خفيفة كريشة، فلما أُجّلت صارت حجراً؟

كم من صلة إنسانية تركناها للذبول حتى جفت عروقها وصار إحياؤها عبئاً لا نقوى عليه؟

كم من كلمة حب، أو شكر، أو اعتذار، حُبست في الصدور حتى ضاع عنوان أصحابها؟

إن الأماني التي لا تُعاش في أوانها لا ترحل، بل تبقى معنا كأثقال غير مرئية تنهك الروح وتُثقل الخطى، حتى يجد الإنسان نفسه يمشي في الحياة لكنه لا يتقدم.

أستحضر هنا ذكرى ذلك الصديق الذي كان يحمل في أعماقه ريشة فنان وقلب ابن بار.

كان يحلم أن يجسّد ملامح والده المكافح في لوحة تليق بذلك التعب المقدّس.

كان يقول دائماً: 

«حين أنتهي من هذا الالتزام»… ثم «حين يتسع الوقت»… 

ثم «حين أصل لمرحلة النضج».

وفي كل مرة كان يقول فيها «لاحقاً»، كانت تلك اللوحة تزداد ثقلاً في روحه دون أن يدري، حتى صار حمله من الذنب تجاه والده أكبر من حمله من الحب.

لكن الغياب اختطف الأب قبل أن تكتمل أدوات الصديق.

في لحظة الفقد، وقف أمام لوحة بيضاء صامتة، يبكي عجزاً لا حزناً فحسب، ويتمتم: 

«الآن صار عندي الوقت… 

لكن من سيمنح اللوحة معناها؟».

تلك اللوحة لم تعد عملاً فنياً.

لقد صارت أثقل ما في الوجود؛ أمنية لن تطير أبداً.

منذ ذلك الحين، أيقنتُ أن التأجيل ليس راحة، بل هو تراكم صامت لما سيصعب حمله لاحقاً.

نهرب من «الآن» ظناً منا أننا نخفف أثقالنا، وإذا بنا نضاعفها.

ونُقنع أنفسنا بأن الغد سيكون أكثر سخاءً ورحمة، لكن الغد حين يحل يجدنا أكثر إرهاقاً وأقل جرأة، لأن الأثقال تراكمت.

يواجهنا بالأعذار ذاتها، ويجدنا نمارس طقوس التأجيل ذاتها.

ومع تراكم سنوات الانتظار، نصطدم بالحقيقة العارية: 

لقد مضت اللحظة التي كان يمكن أن نضع فيها أثقالنا أرضاً ونطير.

عندها فقط، يصرخ الواقع في وجوهنا: 

«لقد كنتُ متاحاً، فلماذا اخترتم الانتظار؟».

إن رؤية العمر وهو ينساب كالماء بين الأصابع، وإحساس الإنسان بثقل ما لم يفعله أكثر مما فعله، يفرضان علينا نداءً لا فكرة مجردة.

أدعو نفسي أولاً، ومن خلفي كل ذي لب، إلى أن نضع أثقالنا المؤجلة على طاولة الحاضر ونواجهها.

أن نستيقظ من هذا السبات، ونحتضن اليوم بكل تجلياته، بجماله المر وتحدياته الشاقة.

أن نطلق الكلمة الصادقة الآن، 

لا حين تخمد العواصف.

أن نبدأ مشروعنا الوجودي الآن، لا حين تصفو السماء.

أن نعبّر، ونرمّم ما انكسر، ونصفح عمن أساء… الآن.

الحاضر هو المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نضع أثقالنا ونتنفس.

وهو الميدان الذي لا يعترف بالمنتظرين على الأرصفة.

فلنحرّر أمانينا من سجن التأجيل قبل أن تتحول من أجنحة إلى أغلال.

لنقل ما يجب أن يُقال، ونفعل ما يُمليه الضمير، ونعانق جوهر الحياة… الآن، 

وفي هذه اللحظة تحديداً.

قبل أن تصير الأمنية ذكرى.

وقبل أن يغدو الثقل أكبر من أن يُحمل.

بقلم:

د. محمد شعوفي

05 مايو 2026م

منابر البعوض بقلم الراقي طاهر عرابي

 "منابر البعوض"


قصيدة للشاعر طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 05.05.2026


——


على منابرِنا يعشّشُ البعوضُ

ويلبسُ حلّةً من ذهب،

يُشعلُ البخورَ

فتهربُ الغيومُ ويُنسى المطر.


أبهرتْنا أجنحتُه الشفّافة،

مددْنا اليدَ لنلوّنها بألوانٍ نشتهيها على وجوهِنا،

علاماتٌ تُنهي غربتَنا في البيتِ الواحد،

فصرنا بعوضًا مزيفًا يمقته المنبر.


لم تَعُدْ لنا حاجةٌ إلى الكذب،

تخلّصْنا من أزمةِ الصحّ والخطأ،

وصار كلُّ شيءٍ يُنكرُ نفسَه.


لا حدودَ لما هو غيرُ موجود،

حتى إنّنا تخلّينا عن الأسماء،

فالملامحُ تكفي لنداء الهزيمة.


جزّأنا المصائبَ بأمرٍ من البعوض،

باركْنا، واحتفلْنا، وهتفْنا:

تحيا روعةُ الغصّةِ والدمعة.


فرحْنا بجزءٍ للربيع بلا ثمر،

وقرّرْنا جزءًا لميلاد الإرادة من رحمِ النوايا،

وجزءًا فيه أملٌ

بعد أن يُورِّثَ البعوضُ أبناءَه

منبرَ الصمت.


صرنا نتشاورُ بهمسِ العتمة،

خطواتُنا تتمدّد،

تمشي على ظلالِ البعوض.

نرى السقوطَ نجاة،

ويرى البعوضُ قامةَ الزيفِ على الأجنحة.


والبعوضُ يتكاثر،

ويلتهمُ غذاءَ الضوء.

خرجنا بثوبٍ ينكرنا

وحذاءٍ يرى الطريق ولا يرانا.


دريسدن – طاهر عرابي

صباحك ياسمين بقلم الراقي محمد ابراهيم ابراهيم

 (( صباحك ياسمين ))

صباحك مفعم بشذى... الورود

سرى في داخلي فاخضر عودي

صباحك ياسمين.... الشام ألقى

تحيته على ...........كل الوجود 

فأيقظ عطره .......الفواح قلبي 

وأجج ناره .......... بعد الخمود

صباحك بلسم .....يحيي قتيلا

سقاه الوجد .... ألوان الصدود

صباحك ديمة ...هطلت فأروت

لهيب الشوق في القلب الودود

صباحك هالة في نبض شعري

أضاءت عتمتي فشدت قدودي

صباحك قد أعاد ...الحلم فجرا

صبوحا يعتلي صحن .. الخدود

يقبل وردها .........المفتر شوقا

ويعزف للهوى ..... لحن الخلود

صباحك يا مهاتي ....رد روحي

فطرت محلقا ......فوق النجود

أردد ألف أغنية .......... تجلت

حنانا من صدى ناي ..... وعود

لقد أمسيت ياحبي .... ملاذي

فجودي بالهوى الشامي جودي

................... 

الشاعر:

محمد ابراهيم ابراهيم

سوريا

زمن الكتمان بقلم الراقي جاسم محمد شامار

 زمن الكتمان 


أغادرُ بجسدٍ مُنهك

ألتجئُ لليلٍ أخرس٠٠

يسألني أحدهم 

من أنت؟ ٠٠

وكان يعرفني من قبل ٠

يُرهقني ضجيجُ الفضول

أُسرِعُ بارتباك خجول 

بكتف الحرمان ألوذ ٠٠

وأسأل نفسي

من أنت؟ ٠٠

أتمرّدُ على ضجرِ الصمت

وقضبان الخوف والخجل ٠٠

وثغرٌ يكتمُ الكلام

في ليلٍ أخرس ٠٠

أقف أمام المرآة

يُغرغرُ حلقي بالكلام ٠٠

صلصلة عتب

في زمن الكتمان ٠٠

تشكّلتُ بصورةِ إنسان

فقدَ النطق

وغادرَ مواسمَ الشغف ٠

    د٠جاسم محمد شامار العراق 🇮🇶

مرثية غياب بقلم الراقي السيد الخشين

 مرثية غياب


أنا هنا وأنت هنا 

والكل معا في سعادة وهناء  

وعبق الورد يفوح هنا

وشدو الكروان في كل مكان  

وربيع الأيام  

بين صفاء إلى صفاء 

فلا عتاب بين الأحباب 

مضت الأيام على هذا الحال 

قبل عواصف هوجاء 

فرحل الجميع دون استثناء 

إلى أبعد الحدود 

خوفا من رياح ورعود 

وغيوم السحاب 

حينها وقفت لوحدي 

أرثي زمانا غاب 

وفقدت في لحظة 

كل الأصحاب

وبقيت وحدي هنا


    السيد الخشين 

    القيروان تونس

رسائل لم تقرأ لقلب لم ينم بقلم الراقية حنان الجوهري

 رسائلُ لم تُقرأ لقلبٍ لم ينم

**********************

أنا الصوتُ..

إذ كمَّمتهُ يداكِ

فصارَ صدىً في المَدى يرتجِف

وخِلتِ النجاةَ بوادي الذهولِ

وأنَّ التناسيَ أقصى الشَّغَف

أنا الصمتُ..

لو تدركين اللغاتِ

لعُدتِ لصمتي الذي لا يَصِف

أنا الرَّعشةُ البكرُ..

يومَ الثباتُ تهاوى على جفنِكِ المُستَهام

أنا الكسرُ..

خلفَ ابتسامِ الخداعِ

وبوحُ الجروحِ بغيرِ كلام

أنا الظلُّ..

يجمعُ من ليلِ عينكِ

ما بعثرته طعونُ الزحام

أنا الوَجَعُ الفَذُّ..

يا جهلكِ العَذبَ

كُنتِ تظنينَ أنَّكِ مقتوله

وفي كلِّ ضمَّةِ حزنٍ

سَقَيتِ وريدي من الروحِ..

أغلى طُفولة

فصِرتُ اشتداداً..

وصارَ فؤادكِ

للوجعِ المرِّ.. أبهى فصوله

أنا الخيرُ..

في قَولكِ المُستعارِ: بخيرٍ

وداخلكِ الحزنُ كالمعجزات

أنا الغصنُ..

أثقلهُ غيثُ عينكِ

حتى انحنى في صلاةِ الثبات

أنا البأسُ..

إذ قلتِ.. لا بأسَ

فاقتاتَ صبريَ من ذكريات

أنا اليدُ..

يومَ نأت عنكِ يدُّكِ

والحقُّ إذ غابَ خلفَ الحِجاب

كبرتُ بقلبكِ..

لم تُحسني ذات يومٍ

وداعاً يَليقُ بطولِ الغياب

فصِرتُ كدَعوةِ نُسكٍ

تعلَّقَ أستارها.. في السحاب

أنا دمعةٌ..

خافتِ البوحَ يوماً

فارتدَّتِ النهرَ تحتَ الضلوعْ

فلا تسجنيني بعتمةِ صمتكِ

كُوني أنا

في جهارِ الخضوع

فأنا المُحاولةُ البكرُ..

بينَ ضياعِكِ..

أو أن أكونَ طريقَ الرجوع

بقلم: حنان أحمد الصادق الجوهري

ثمار العشق بقلم الراقي محمد عمر عثمان كركوكي

 


ثمار العشق


وحينَ مضيتُ فتىً، وكانَ الهوى دمي

جنيتُ أسىً يطوي فؤادي من الألمِ


سعيتُ وراءَ الوهمِ حتى تعثّرتْ

خطايَ، وضاعَ العمرُ في لهفةِ السَّقَمِ


وكم بتُّ ليلًا أحتسي نارَ لوعةٍ

تُذيبُ فؤادَ العاشقِ الصبِّ كالحُمَمِ


فيا ليتَ قلبي يومَها كانَ عارفًا

بأنَّ الهوى بحرٌ، وبأنّي من العَدَمِ


وها أنا اليومَ والأعوامُ شاهدةٌ 

أرى بُرعُمَ العشقِ ابتسامًا على القِمَمِ


كأنَّ الغرامَ اختارَ آخرَ رحلتي

ليُهدي فؤادي نورَهُ بعدَ الظُّلَمِ


فيا دهشةَ القلبِ الذي عادَ يزهرُ

كأنَّ الربيعَ استيقظَ الآنَ من نَوَمِ


ويا فرحةَ الروحِ التي لم تزلْ ترى

بأنَّ الهوى رزقٌ، وأنَّ الصبرَ من نِعَمِ


فإنْ كانَ فجرُ العشقِ قد غابَ مُدّةً

فقد عادَ أدفأَ من رؤى الحُلمِ والكرَمِ


فمرحى لقلبي إذ رأى بعدَ محنةٍ

ثمارًا تلوحُ الآنَ في آخرِ العُمُرِ البَهِيمِ



                         

         بقلم محمد عمر عثمان كركوكي

التخاطر بقلم الراقي عبد السلام جمعة

 التخاطر

........

سرقت الورد من يدك

أطرزه على كفي

على حرفي

سرقت الآه في الموال

سرقت منابع الأحلام

و الآمال

أغاني الطير

 وضوء البدر

و ثغر الفجر

و سحر البحر

.............

سرقت الحرف والكلمات

سرقت الوجد في النغمات

أصوغ الحلم والذكرى

أصوغ مشاعري النشوى

و أهديها

..............

سرقت الورد من يدك 

لأهديه إلى يدك

أتيت إليك معترفا

فمنك الورد و الريحان

و منك السحر و الألوان

و منك ريشة الفنان

.............

فهاتي السحر ألوانا

فحرفك صار أغنيتي

و أمنيتي 

و أشواقي

 و آمالي

و أحلامي 

و إلهامي

حروفي كلها منك

و قد ظلت بذاكرتي

لأرسلها

لأهديها لفاتنتي

.............

بقلمي . الشاعر . عبدالسلام جمعة 

أ

الرسامة والمعشوق بقلم الراقي توفيق السلمان

 الرسامة والمعشوق


امنحني عاماً أو عامين

وسأرحل بعد العامينِ


لا تسألني من أينَ أتيتُ

وأينَ سأمضي أنا أيني


فأنا لا أحيا في العشق

في المرّةِ غير السنتينٍ ِ


أكرهُ أن يجعلني العشق

مغلولًاً حدّ القدمينِ


امنحني عاماً أو عامين

كي أحيا عشقك لا اكثرْ


كي أصنعَ حداً للعشق

فأغادر عشقكَ كي أقدرْ


فأحاول أن أبقى نفسي 

لن أتأثّرْ لن أتغيّرْ


لا أحيا مأسور القلب

كي تلهو بي أو تتبخترْ


امنحني عاماً أو عامين

وذاك لدواعي سروري


فترافقني فيه طوعاً

وأنا أُرضي فيك غروري


فأراك كما قلبي يهوى

في ساعة شوقي ونفوري


أجمل ما عندي في الدنيا

راحة فكري فيض شعوري


امنحني عاماً أو عامين

تشارك في العمرِ حياتي


وسأرحل بعد العامين

لا تسألني ما هو الآتي


إذْ إنّكَ لي صورة رسمٍٍ

ترسمها لمسة فرشاتي


وسأخفيها في محفظتي

ما بين عديد رسوماتي


توفيق السلمان

حياة روح في قلبي بقلم الراقي عبد الكريم قاسم حامد

 حياةُ روحٍ في قلبي

بقلم: عبدالكريم قاسم حامد

5/5/2026

ما زالوا حياةَ روحٍ في قلبي،

أتنفّسُ هواهم حبًّا من ربّي.

والأيامُ مُهرَتْ بالودِّ لأحبابي،

وحرفُ القلمِ من حبرِ كتابي،

ينطقُ القولَ من صدقِ صوابي.

لستُ أُداهنُ، ولا كنتُ أُرابي،

أدلّلُ ودًّا مدهونًا بزورٍ وكذبٍ،

لا يروقُ لوجهٍ تركيبُ المذاهب.

كم للنارِ وجوهٌ، وكم من حاطبٍ،

وللطيبِ فوحٌ، وذِكرُ حبائب.

من الصفاءِ لنا سماءٌ حبيبة،

وبدرُ قمرٍ من البهاءِ له مهيبة،

ونجومٌ تصفُ لنا نُهًى في كواكب.

أبشروا… ستبشرون، وتلمّ عجائب،

من الحورِ وصلٌ، والغناءُ للحبائب،

ومن الزهورِ ندى سلامٍ من سحائب.

سألوا عن الدرويش بقلم الراقي أكرم وحيد الزرقان

 بارك الله في قلوبٍ تفتش عن المعنى خلف بريق الألقاب، وفي نفوسٍ تدرك أن الرتبة الحقيقية هي التي تُبنى على التواضع والزهد، وجعل الله بحثكم عن كنه "الدرويش" باباً لصفاء الروح ونوراً يكشف لكم جمال الجوهر في زمن المظاهر، ورزقكم المولى بصيرةً تفرق بين العرض الزائل والجوهر الباقي، ومنحكم من لدنه قبولاً يرفع قدركم في الملأ الأعلى، وحفظكم الله من فتنة الكبر ومن ضيق الأفق، وأدام عليكم عزة النفس ونقاء السريرة بفيض كرمه وجوده 

يسألني الكثيرون بفضولٍ محبب عن سر تسميتي بـ "درويش الشعراء"، وكأنهم يبحثون عن الخيط الرفيع الذي يربط بين عوالم الشعر وسكينة التصوف، فالدرويش في لغة الروح هو الإنسان الذي تحرر من أسر المادة وقيود "الأنا"، ليعيش حراً بفقره إلى الله وغنياً بيقينه، هو الذي يرى العالم بعين قلبه، فيحول كل نبضة إلى ذكر وكل نظرة إلى عبرة، فكان هذا اللقب مرآةً لحالي قبل أن يكون اسماً لقلمي 

ولعل السائل يسأل: لماذا "درويش الشعراء" ولستُ "شاعر الدراويش"؟ والفرق هنا يكمن في عمق المسلك؛ فأن أكون درويشاً بين الشعراء يعني أنني أدخل محراب الكلمة بروح الزاهد الذي لا يطلب مدحاً ولا وجاهاً، بل ينشد الصدق المطلق ويجعل من قصيدته وسيلةً للترقي الروحي لا غايةً للتفاخر، بينما "شاعر الدراويش" قد يقيد الحرف في زاوية ضيقة، أما كوني درويشاً يكتب الشعر فهو اختيارٌ للفناء في جمال المعنى ليبقى الحرف شاهداً على جلال الخالق 

أن أكون درويشاً يعني أنني اخترتُ "الفقر الوجودي" غنىً، وخلعتُ نعلَي المطامع في وادي التجلّي المقدّس، فالفلسفة الصوفية ترى في الدرويش نقطةً في بيكار العشق تدور حول مركز الحقيقة لتثبت أن الكل واحد، وأن الحركة هي رقصة الروح شوقاً لمنبعها، حيث تسقط الجهات الست ويصبح الفضاء كله محراباً لذكر من ليس كمثله شيء 

سـألـوا عـنِ الـدرويـشِ قـلـتُ حـقـيـقـةٌ

تـفـنـى بـهـا الأوجـاعُ والأسـمـاءُ

فـالـروحُ فـي وجـدِ الـتـجـلِّـي وحـدةٌ

والـكـونُ فـي صـمـتِ الـمـدى أصـداءُ

درويـشُ شـعـرٍ مـا حـواهُ عـقـالُـهُـمْ

بـلْ فـاضَ وجـداً والـحـروفُ وعـاءُ

تـركـتُ لـلأوهـامِ عـالـمَ زيـفِـهـمْ

فـأنـا الـفـقـيـرُ ولـي بـذاكَ هـنـاءُ

دورانُ قـلـبـي حـولَ نـورِ حـبـيـبـهِ

سـرُّ الـوجـودِ وهـذِهِ الأشـيـاءُ 


درويش الشعراء


             أكرم وحيد الزرقان