“أنا التي تُحادثني”
كلُّ طريقٍ نخطوه خارج أنفسنا، يبدأ أولًا من الداخل.
في لحظات الانفصال عن العالم، نكتشف أننا لم نغادر ذواتنا حقًا… بل التقيناها، مصادفةً أو عمدًا، على هيئة حوارٍ متعثّر، أو صمتٍ طويلٍ ينتظر أن يُترجَم.
“أنا التي تُحادثني” قصيدةٌ فلسفية تأملية؛ تنكفئ فيها الذات على نفسها، لا لتصف، بل لتحاور، وتجادل، وتفتّش عن يقينٍ مؤقت في زحام الشكوك.
أحيانًا، تغدو الأسئلة أصدق من كل يقين، ويغدو الطريق شريكًا في الشكّ… لا في الوصول.
⸻
أنا التي تُحادثني
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 23.09.2021 | نُقّحت في 01.08.2025
قال لي “أنا الأنا”، والخوف يترجّل عن عينيه،
يحمل أصدافًا من الصحراء، وشوكًا من البحر:
لا تأخذيني بعيدًا في متاهات الغروب،
يتغنّون بالشفق عبثًا،
وهم في غرف الانتظار،
يوزّعون التهم على السأم،
وينافسون التردّد،
دون أن يدركوا معنىً لغياب الشمس.
وحتى أنا…
لم أكن سوى طيرٍ يُطعِمكِ من فمه
حبّاتِ قمحٍ صفراء بلون الضوء،
قبل أن ينكسر الشفق.
ربما سمّيتُها رغيفًا… لنسكِتَ الجوع،
ونلتفت إلى البصيرة.
وتركتُ السكّر لفنجان الصباح،
كأنّ نكهتَه تقول:
اجلسْ… كما تستوي على الأجساد المتعبة من لا شيء، لأراك.
ولم أَجلس، أو جلست أترقّب الجلوس.
يحملني الغيظ إلى ما بعد لذّة القهوة،
وأرضى أن أبقى،
أراقب ذبابًا يمسح عينيه على الطاولة،
وعيناي تحدّقان في مكعّب السكر،
تخشيان أن يذوب،
والقهوة ما زالت في الطريق تتعثّر.
كيف أحرصُ على اليقظة،
وكأنها تتلاشى… فيّ؟
ستأكلني أسنانُ المشط،
إن لم أرَ سعادتي في عقلي.
لن أُمَسّد شعري وكأني من أساطير العجب،
ولن أنظر في المرايا بحثًا عن السعادة،
مثل وردةٍ رفضت قطرات الندى،
فنسيها الصباح.
قلتُ – لـ”أنا الأنا” – دون تذمّر:
كلُّ الخريف واقفٌ على الباب،
يراقبُنا إن أشعلنا موقدًا… أو حتى قنديلًا.
فأين لنا دفءُ الشتاء؟
دعك من السكّر… فهو لا يشتهينا.
أنهجرُ معًا؟
بلا قلقٍ، بلا شقاء؟
حيث تتوقّف عن البكاء على نفسك،
وأرعاك… بشيء من الحب؟
أعرف جزيرةً تهوى أمثالنا…
لكنّ الطريق:
جوعٌ، عطشٌ، وخوفٌ،
وثعابينُ ضخمةٌ تلتفّ،
والطريق مسدودٌ،
يكفيك تجمعُ الأفاعي،
تتزيّن بقلائد من أسنانٍ ابتلعتها،
وترنّ أجراسُها،
رنينٌ لا يشبه سوى الهرب
أُحذّرك…
لأني أعلم أن الخوف
لا يبحث معنا في ترتيب الحواس.
ستغادرنا الحواس،
ونرضى أننا نجونا… بأجسادنا.
هل يكفي الجسد لفعل شيء؟
لكننا لن نموت هناك،
إن بلغناها رغم العناء.
سيصير لنا عيون
من خزف الجنون،
ولا نخشى السقوط في الحفر.
نرصد الخطى بأبصارنا،
ويهتدي اليقين بخطانا.
نُحلّل طبقات السحاب:
هل يحمل غير المطر؟
جرادًا؟
فراشات؟
أم بعوضًا يتجسّس علينا؟
ونُصغي للكُثبان:
إن تحرّكت،
تركتنا خلف الطريق.
يا أيها الطريق المتلكئ في صلاتك،
هل تنتهي بحديقة؟
أم لا ترى إلا شقاءك،
وأنت تستأنس بالتراب؟
ستتعلّم معنا كيف ينقلب الطريق،
وكيف نحفر معًا بين السدود
عن سؤالٍ واحد:
متى الوصول؟
ولكن عند حدوث حدثٍ قبيح يُسمّى الكراهية،
سيحدث صخب موجع جدًا،
وتنهار بعض الأحلام من حدثٍ مُجلجل.
نحن نخشى أن تتعمّم الكراهية،
ويسود الرماد… حتى ذاك الشفق،
فلا نراهن بعد اليوم على مصيرٍ كريم.
نرجو من الحياة قليلًا من الرِّفق،
كي لا نظل وحدنا في حيرة العابرين.
قال “أنا الأنا” – متلهفًا… :
العِشرة لا تُولَد من الصمت،
ولا تترك التحدّيات عبرةً باهتة.
نظن أننا نحمل شيئًا
أبهى من جناح حمامة
حين تُحلّق نحو القمّة.
سنحاول الوصول
إلى منابع تلك المعجزة،
والتي سميناها: الكراهية.
نخنقها بالرمل،
وندفع بجبل… ليجلس فوقها.
صدقني…
العقلُ صندوقُ عجائب،
إنْ رأى في العبث طريقًا يحمينا من الاستسلام.
نُربّي الحمام، ونسأله عن الدجاج،
فيقول:
اسألوا السمك،
فهو أدرى بملوحة البحر،
وبيْضِ التماسيحِ النهرية.
فنمضي إلى التماسيح،
ونسأل…
ونحن نظن أن النهر يشبه الحقيقة،
فإذا به مجازٌ للالتهام.
فنراهم يبتلعون دجاجةً حيّة،
ويعانقون السمك.
فعدنا بالأسئلة في أفواهنا،
لم نبلعها،
خوفًا أن تلتهمنا الإجابة،
ونندمَ أننا ربّينا الحمام.
نسينا الدجاج وتذكرنا الرعب من التماسيح.
ما أشقى العبث إنْ دخل في الهذيان،
ليسقطَ على الأرضِ مثلَ قمحِ البيادر،
فيه السليمُ… والمتسوس.
كل مفاجأةٍ جميلة إن نسيناها.
افتحْ طريقًا موازيًا للعبث،
وآخرَ لليقين،
وسنصلُ معًا…
قبلَ أن تحدثَ أسوأُ معجزة،
ويغدو الحصادُ
أشدَّ ألمًا من الزرع.
نحسب أننا ندرك معنى أن نكون،
لكن الذكي يتعذّب،
والشاعر يتقلّب،
والفاشل… يتأهّب للنجاة!
وذلك عبث… يُشبه الكراهية.
ما زلنا نرتدي ثوبًا
مغموسًا بأصباغ النحل الأزرق،
ونفتخر بدهاءِ النمل،
ونندهش…
كيف يبني ممالكَه بصمت!
قلتُ – أنا:
النمل والنحل…
يتشابهان في المروءة.
ونحن… نلوذ بالماضي،
كأنه أقرب إلينا من أي فكرة،
ونغفل أن المستقبل،
إن هرب،
ينام في زوايا التردّد.
نحن القادمون من ذاكرة الحب،
نتجوّل في فسحة
لا ندري: أهي للبحث؟
أم للتيه؟
فلنُدوّن أسماءنا
في دفاتر الرحيل،
لعلّ العفو يشملنا من الكراهية،
فنشارك عيد الحصاد…
أو يُغرقنا العفن
من طول التردّد.
نحمل حزننا
بعيدًا عن أعين الأحياء،
تخاف منا الكائنات حين نغضب،
فنغوص في وحل الأحقاد،
ويأكل الغيظ خلايانا،
ويعلو صدأ الحديد في أرواحنا.
ولا نعود نرى كيف تلد الزرافة،
ولا نلمس بين أصابعنا
أن الهواء ما زال حرًّا…
أفنُبقِيه لنجدد أنفاسنا؟
أم نعصره
بين قبضات الانتظار؟
كم من مرة نحارب ذواتنا
في معركةٍ أولها خوف،
وآخرها خوف،
ونهايتها… أن لا نكون،
حين نزرع الورود
انتظارًا لصيفٍ آخر.
ذاب السكّر بالندى،
وحلّ المساء بلون الشفق،
وانهزمت الكراهية، تُطارد ظلّها،
أو تتمرّد تحت الرماد.
كان طريقنا جميلاً،
واستقرت الخطوات بلا تردّد.
أنتَ… يا أنا، عُد إليّ،
كي نبدأ من جديد،
سنذهب إلى الجزيرة،
حتى لو تجرّأت علينا الأفاعي برنين الأجراس.
(ط. عرابي – دريسدن)