حوار بين "الذل" و"الكرامة"
✍️ أ.د. زياد دبور*
ستارة سوداء. مقعدان متقابلان. يدخل "الذل" متأنقًا، بعطر مستورد، وعلى وجهه ابتسامة مصقولة بالكذب. ثم تدخل "الكرامة" بملامح متعبة، وظهر مستقيم كجبل.
الذل:
مساء النعمة يا أختي الكرامة...
أما تعبتِ من النضال؟
العالم تغير، صار الذل موضة،
والسكوت حكمة،
والركوع سياسة عليا.
الكرامة (تبتسم بسخرية):
والنخاسة صارت وزارة؟
والخنوع عقيدة؟
أما زلت ترتدي ربطة عنقك من أمعاء الفقراء وتحدثني عن "الأناقة"؟
الذل:
أنا لست شرًا... أنا واقعي.
أُطعِمُ البطون، أؤمن الرواتب،
أُخفف الألم بالمسكنات الوطنية.
أنا الذي حافظ على بقاء الناس...
أليس البقاء أهم من الكبرياء؟
الكرامة:
البقاء في حضنك يعني موتًا مؤجلًا...
أنت الجدار الذي نُسند عليه رؤوسنا لنبكي، لا لننهض.
أنا - ولو فقيرة -
منحت الشعوب وجها في المرايا.
من دوني، يُصبح المواطن رقمًا... يُصفَّر عند كل بوابة.
الذل:
وهل نفعهم وجهك؟
كم من رأسٍ رُفع باسمك... قُطع؟
كم من بطن جاع تحت رايتك؟
الناس لا تأكل الكرامة، بل يدفنونها تحت الطناجر الفارغة.
الكرامة (تقترب منه):
لكنك لا تُشبعهم... أنت تُربِّي فيهم الجبن.
تعطيهم كسرة خبز... وتأخذ أرواحهم.
أنت تلك اللحظة التي ينظر فيها المرء إلى المرآة ولا يبصق.
أنت وصمة، وأنا الوضوح المؤلم.
أنت أريكة الاستسلام، وأنا مسمار في خاصرتها.
الذل:
أنا حليف كل حاكم، كل جنرال، كل شاشة.
أنا ضيف شرف في كل خطاب رسمي.
أنا الذي صرت "الواقع"... أما أنتِ، فأصبحتِ "أسطورة".
الكرامة:
نعم، أنا أسطورة...
لكنها الأسطورة التي ما زال طفلٌ يحلم بها في خيمة،
وجندي يكتبها على جدار زنزانة.
أنا تلك الدمعة التي لا تسقط... كي لا تُنسى.
(تخرج الكرامة. يبقى الذل وحيدًا. الضوء يخفت.)
*. © زياد دبور ٢٠٢٥
جميع الحقوق محفوظة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .