"هزلية البهجة"
في عالمٍ يضجُّ بالتوتراتِ والصراعاتِ النفسية،
يصبحُ الإنسانُ عاجزًا أحيانًا عن استقبالِ الفرح،
كما يستقبلهُ العصفورُ الذي يزورُنا بلا قيدٍ أو شرط.
أتحدث هنا عن هشاشة الروح في وجه البهجة،
عن الخوف من الحبّ، والخيانة التي نختارها أحيانًا بدل النقاء،
عن الإنسان الذي يعتاد الشكّ حتى في النور إن أتى صادقًا. إنها مشاعرُ الحيرةِ والقلق، التي تُعيقُنا عن تذوّقِ الحياةِ كما هي، وتحاولُ أن تلمسَ لحظةَ صدقٍ،
يُطلقها عصفورٌ صغير،
قد نرجمُه بحجر، فقط لأنه ذكّرنا أن الحياة يمكن أن تُعاش، لا فقط تُحتمل.
⸻
“هزلية البهجة”
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 16.09.2024 | نُقّحت في 13.07.02025
من منابعِ الربيعِ والصيف،
ومن بنفسجٍ مُرهقٍ للذاكرة،
في مكانٍ أشبهَ بوردةٍ رخامية،
ساقُها متراخيةٌ كليونةِ العجين،
خرجَ علينا عصفورٌ جميل،
وضعَ على رأسِه بتلاتٍ من وردِ الياسمين،
ورسمَ على صدرِه قلبًا
من بتلاتِ الوردِ الجوري…
لكنَّ البتلات،
ربما لم تعتد أن يُبهجها عصفور،
صاحت تنادينا… خذلنها ووقفنا،
نسمع خيبةً وزقزقةً ونداءً ضائعًا.
رفرفَ العصفورُ بجناحيه، لا ليطير،
بل ليصير أميرًا من أساطير لوعتنا،
لا يتهكّم،
بل ينسى أنَّنا فقراءُ الحبِّ.
جاءَ يسألُ عنّا،
يشاركُنا الحبَّ والفرح،
غنّى سمفونيّة بتهوفنَ التاسعة،
وأدخلَ عليها ألحانَ السيِّد درويش،
وذكّرَنا بالعِشرةِ الطيّبة،
وتجليات فيروز في ميس الريم.
فدبَّ فينا الرعب،
ولفَّنا الخجل. كيف لا نخجل؟
أعصفورٌ يعيدُ لنا أنغامًا
نتملّقُ حبَّها؟
ننساها وكأنها من جلد تماسيح انقرضت،
قبل طوفان المشاعر.
يا لها من فضيحة نقدرها ونسعدُ ببلاهتنا!
⸻
كيفَ يخرجُ علينا من فرنٍ باردٍ،
يحملُ رائحةَ المحرومينَ من صفاءِ الأمل،
متجمدًا ميتًا، أو كأنه أسطورتنا… ويغردُ؟
لم نعتدِ الحبَّ قبلَ صراعٍ طويلٍ مع الوجود،
فكيفَ نرتجفُ فجأةً أمامَ نداءٍ صادق؟
كلُّ الأساطير صادقةٌ ونحن من يتجاهل،
كلُّ شيءٍ عندنا موضعٌ للشك،
حتى ظهورُ العصفورِ بكمالِ الفَرِحة،
ما كان إلا مرآةً لخيانةٍ داخليةٍ،
لا مكانَ له في شكوكِنا المرحة.
إما أن نحبَّ أو نكره، لا وسط بين جبلين،
سوى وادٍ جافٍ مقفّر المناكب.
الخيانةُ من أشدِّ أنواعِ الخطر،
يلبسُ فيها الإنسانُ قناعًا ناقصَ العواطف،
يقتاتُ من وحيِ الذنوبِ المخيِّبة،
لكنَّنا نحولها إلى وسيلةٍ
للغدرِ والتآمر،
لنشعرَ بأنَّنا مهزومونَ بلطف.
كيف للمهزومِ أن يعللَ بقائه؟
لو مات كلُّ مهزومٍ لما وجدنا الصراع،
ووقفنا منكوبين مستسلمين تحت رحمةٍ
أنَّنا فقراءُ للحبِّ.
كيف نسمعُ العصفورَ الصادقَ،
ونحن نغلي بشهواتٍ أخرى؟
لم نكن يومًا إلا خليطًا من البهجة والشفقة،
تطغى علينا سمةُ الحيرةِ،
ضعفاء في اختيار الصفاءِ.
ما أصعبَ الصفاءَ!
قتلنا صدقَ العصفورِ ولن نقتنع أنه مسكين،
ونحن أقوى منه،
وهذا يكفي لنصادقه…
أو نقذفه بحجر،
إن تمادى في حرماننا من البهجةِ الرماديةِ.
متعةُ الفوضى أقربُ إلينا من سحرِ القمرِ،
وحجَّتنا أمامَ النهرِ وبعضِ الأسماكِ، إن صار الطوفانُ:
أنَّنا بشرٌ،
نتغيَّرُ في الفصولِ،
نتعرَّى في الصيفِ،
ونلبسُ المعاطفَ في الشتاءِ،
ونخافُ من النارِ في كلِّ ساعاتِ العمرِ.
ولم ندعُ المطرَ بل دعونا فصلَ الشتاءِ،
لكنَّنا قادرونَ على قتلِ العصفورِ،
دون أن يعلمَ
أنَّنا مشتاقونَ للصمتِ.
من يعيشُ في كهفِ النفسِ،
لا يسمعُ زقزقةَ الطيورِ،
ولا نحيبَ النهرِ
إن تشردَ فوقَ ضفافٍ مجهولةِ الانتماءِ.
⸻
العُمرُ مقسَّمٌ إلى قسمين:
الأولُ للمشيِ في الطرقات،
والثاني لمديحِ التعب،
ويتقاطعانِ في لحظةٍ
نسمّيها بهجة،
وندركُ — مُجبرين —
أنَّ جميعَ الفلاسفةِ قد ماتوا في هذا التقاطع،
وما تبقّى، يحمله الآن عصفورٌ من كهفٍ ثلجي:
أسطورتُنا الخالدة.
⸻
سنبقى لزمنٍ طويل،
نتشاجرُ ونتعاتبُ ونتحارب،
حتى يموتَ ذاكَ العصفورُ الجميل،
ويعودَ شيءٌ يناسبُ القلق:
سلحفاةٌ تجرُّ عظمَها،
ولا تعرفُ إلى أين.
نملكُ حواسًّا عظيمة،
لكنَّ القلبَ ما زالَ موصدًا،
وله بابانِ من الحيرة،
وكلاهما مُؤجَّرانِ لعبورِ الوحدة.
سنمدُّ فراشًا من الأشواك،
فالأشواكُ وحدها قادرةٌ على إنذارِنا…
وإن فقدنا البهجة،
تهنا على أشواكٍ لا ترحم، ونسينا طُهرَ القيم.
(ط. عرابي – دريسدن)