«ثوب أبيبا»
قصيدة: طاهر عرابي
دريسدن — 19.05.2026
⸻
إبرةٌ مسكينةٌ أعرفها؛ مطيعةٌ للخيط،
ولا شيء فيها يدلّ على قسوةٍ أو شفقة.
كأنّ النسيجَ يحتمل غرسها المؤلم
دون قصدٍ منه،
غرزةٌ تُنسى بعد غرزة،
والثوبُ أملٌ لا يُستثنى من الفصول.
ارتجفت الإبرة بين أصابعي
حين مددتُ يدي لأمرّر الخيط.
استدارت، ومنعته من الدخول؛
يصطدم، فأعيد تقويمه،
أفرك عيني كمن يبحث عن بابٍ في أصابعه،
فيجد نافذةً تُطلّ على الخجل.
قلتُ: يا خيطُ، كان لك بابان؛
تدخل وتخرج ولا تشكر الإبرة،
وكنتُ أحسدك…
فإنّ لي ألف باب،
وأحتار إن دخلتُ كيف أخرج،
وإن خرجتُ فلا ترحمني الأبواب،
يا لنعمةٍ عليك ولا تدري.
يا لغضبِ ملكِ الحقّ… وملكِ الوفاء،
وملكٍ لا تراه فيك، ويحملك خفيفًا إلى غاياتك.
أرجوك تصالح؛
فلا حياة بين التيه وضيق المودّة.
فحزنُ الإبرة سيحرم أبيبا من فستان العيد،
وأنتَ غافلٌ عنها، وعنيدٌ.
ألا تشعر أنك تنتزع رِقّة الأبواب
وسِحرها الجميل؟
ارضَ بها وشكرًا، فلو كانت حارسًا يراوغ العابرين
لبقيتَ تتدلّى كطحلبٍ بحريّ
تنهركَ الأمواجُ في حضورك وغيابك.
قال الخيط:
لماذا تُجبرني الإبرة الآن،
بعد أن فرحتُ لأخيط ثوب أبيبا؟
لماذا تُعلّمني الآن كيف أكون؟
ألا تشعر أنّ الإبرة كراهية؟
لا أنكر لها حقًا،
لكنّي أنكر أنها لم ترَ فرحة أبيبا.
جُرمٌ يتحوّل إلى مراوغة، والضياعُ سيّدٌ.
ما أشدّ القصاص في قفص…
يا ثوبَ أبيبا،
كأنك تُلوَّن بحوارٍ يفقد لياقته،
وأنا… لمن أشتكي؟
الإبرةُ حقّ، وللخيط حقّ،
والخياط يتلوّى بين أضواءٍ تُعبّر النسيج،
تتلاشى في ومضات الحيرة.
لو أخبرتكِ يا أبيبا… أننا نخبز الفطنة في نار الغباء.
دلّى عنكبوتٌ خيوطه،
يحمل شوكةً انتزعها من غصن شجرة،
وقال:
خذ خيوطي، وثقّب طرف الشوكة؛
اصنع إبرةً… اصنعها،
ولا تُغرق الدنيا حزنًا وأنت تعاتب بابًا لن يُفتح
وخيطًا يتمرّد.
قلتُ: يا عنكبوت،
أتخشى على أبيبا؟
كم قالوا إنك خبيث…
أتريد أن تلبس ثوبًا تُجمع أكمامه من خيط العنكبوت؟
أيُّ رائحةٍ سيحملها منك الهواء؟
كم أخشى أن يلحق الذبابُ براءةَ الجمال.
صدقني، لو لم يكن ثوب أبيبا،
لما سمحتُ لك أن تنزل من الشجرة.
أبيبا تنتظر ثوبها،
وأنت تحاور من فهم الحاجة.
صدقني… إن أبشع رحلة
هي أن تمشي داخل ألم الآخرين.
بين الخيط والإبرة
بابٌ كنتَ تظنه لك دائمًا،
ونسيتَ صاحبه،
كأنّ الأبوابَ لا تعرف فضاءها،
وأنتَ آخرُ من يرى للخيط نهاية،
حتى لو اختبأتَ في ثوب أبيبا.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .