"الصدى صار له أقدام تزحم الرصيف! اليوم لا نهتفُ لسقوط أحد، بل نعلنُ قيامنا. نحن هنا لنُرى، لنسترد ملامحنا الضائعة خلف المرايا السوداء."
(ملحمة النبض الأول)
النبض 43 – ارتفاع الصوت 📜
---
–أولاً:
لم يعد الصدى مجرد ترجيعٍ للكلمات خلف الجدران.
صار جسدًا يمشي في الشارع،
له وقع أقدام، ورائحة عرق، وأنفاس تتصاعد.
«نحن هنا.»
الجملة خرجت من فم يحيى،
لم تكن صرخة، بل كانت حقيقة بسيطة،
بقيت معلقة في الهواء كأنها جسر ينتظر العابرين.
من نافذة الطابق الثاني،
نزل رجل يحمل كرسيًّا خشبيًا قديمًا،
وضعه على الرصيف وجلس،
كأنه يغرس جذوره في الإسفلت.
لم يقل شيئًا،
لكن جلوسه كان جوابًا نهائيًا على سنوات من الركض.
خلفه، امرأة أمسكت طفلها بقوة،
وقفت كأنها تحمي المستقبل بظهرها.
بائع الفاكهة ترك عربته،
مسح يده في مئزره ووقف بجانبهم،
تحول من بائعٍ للهامش إلى شريكٍ في المتن.
تعز كانت هناك، في الصف الثاني.
لم تكن مجرد أم، كانت هي "الأرض" التي تراقب مخاضها.
نظرت إلى ظهر يحيى،
رأت فيه شيئاً بدأ يخرج من مدار سيطرتها،
شيء لم يعد ملكاً للبيت، بل صار ملكاً للطريق.
شعرت بالخوف ينهش قلبها،
لكن قدميها نبتت فيهما صلابة لم تعرفها من قبل.
---
–ثانياً:
الأيدي بدأت ترتفع ببطء.
واحدة.. اثنتان.. عشر..
ثم غابة هادئة من الأصابع الممتدة نحو السماء،
لا تهتز رعباً، ولا تنحني انكساراً.
كان الشارع صامتاً،
لكنه صمتٌ يضج بكل الكلمات التي خُنقت منذ عقود.
من بعيد، جاءت ثلاث سيارات.
توقفت على مسافة حذرة.
نزل الضباط، ترجلوا كآلاتٍ مبرمجة،
لكن عيونهم لم تكن تحمل الغضب المعتاد.
كان فيها "إدراكٌ ثقيل"؛
لقد رأوا في الوجوه جيرانهم، وأقاربهم، ووجوه ناسهم.
أحدهم تحسس سلاحه،
ثم ارتخت يده حين التقت عينه بعين بائع الفاكهة..
الذي يشتري منه برتقال أطفاله كل صباح.
القائد تقدم خطوتين.
لم يصرخ.
سأل بصوتٍ منخفض، كمن يخشى إيقاظ الحقيقة:
— ماذا تريدون؟
يحيى لم يرفع صوته،
بل خفض المسافة.
تقدم خطوة واحدة،
صار يرى مسام وجه القائد، ورائحة التبغ في معطفه.
قال بهدوء:
— نريد أن نُرى.
ونريد أن ترانا أنت أيضاً..
لا كأهداف، بل كبشر.
القائد نظر إليه طويلاً.
لم يكن ينظر إلى متمرد، بل كان ينظر في مرآة.
أدار ظهره ببطء،
أشار لرجاله بالانسحاب،
لم يكن هروباً.. بل كان "هدنة مع الضمير".
---
–ثالثاً:
في تلك اللحظة، ارتفع الصوت.
لم يكن هتافاً،
بل تنهيدة المدينة وهي تفتح عينيها بعد نومٍ طويل.
صوت احتكاك الحجر بالحجر،
وصوت الوجوه وهي تسترد ملامحها.
يحيى شعر بشيء ينفصل داخل صدره؛
جزءٌ منه بقي هناك في أمان القبو،
وجزءٌ آخر تمدد في الشارع،
وصار كبيراً جداً بحيث لا يمكن لأي باب أن يغلق عليه ثانية.
والمرآة السوداء،
المختبئة في زوايا المدينة المعتمة،
انشقّ فيها شقٌّ جديد،
أكثر اتساعًا…
كأن المدينة رأت وجهها أخيرًا،
ولم تعد تستطيع التظاهر بأنها لم تره.
------
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد... 2026/5/15
#العالَم_العربي #العالَم_الإسلامي #الإنسانية،
#ملحمةُ_النبض_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .