ليلةٌ واحدة كانت كافية…
ليكتشفوا أن العودة إلى القبو لا تعني العودة كما كانوا.
فالشارع حين يدخل القلب مرة،
لا يخرج منه سالمًا أبدًا.
📜 النبض 44 – ليلة العودة
–أولا:
عادوا إلى القبو،
لا لأن الخوف انتصر،
بل لأن الشارع صار أوسع من أن يُحمل دفعةً واحدة داخل الصدور.
الدائرة نفسها.
الضوء النصفي نفسه.
لكن الهواء بدا أثقل،
كأن النهار عاد معهم وجلس بينهم.
جلس يحيى في مكانه القديم.
مرّر أصابعه فوق الشق الممتد في الطاولة،
ثم توقف.
لم يعد يراه شقًا صغيرًا في خشب قديم،
بل شيئًا يشبه المدينة كلها.
تعز جلست غير بعيدة.
لا في جواره تمامًا،
ولا خارجه.
كانت أمًّا بين أمهات كثيرات الآن.
---
–ثانياً:
الصمت امتلأ بوقع الخطوات التي تركوها خلفهم.
كل واحد كان يصغي لما بقي داخله من الشارع.
في الزاوية، قال شاب بصوت منخفض:
— لو أنهم لم ينسحبوا… ماذا كنا سنفعل؟
لم يُجب أحد.
السؤال لم يكن يبحث عن جواب،
بل عن مكان يجلس فيه بين الوجوه.
رجل آخر أطلق ضحكة قصيرة،
ثم ابتلعها سريعًا،
كأن الفرح نفسه صار شيئًا يخشى الظهور الكامل.
---
–ثالثاً:
رفع يحيى عينيه نحو أمه.
كانت تنظر إليه بهدوء طويل.
لا خوف واضحًا في عينيها،
ولا طمأنينة كاملة.
فقط ذلك الإدراك الصامت
أن الابن الذي خرج إلى الشارع
لن يعود تمامًا إلى القبو.
مدّت يدها نحوه.
لمست يده مرة واحدة.
وكان في تلك اللمسة
ما يشبه الاعتراف،
وما يشبه الوداع الأول.
«أنا أعرف…
وأنا هنا.»
---
–رابعاً:
في داخله،
شعر يحيى أن الشك لم يختفِ.
لكنه لم يعد وحشًا يطارده في العتمة.
صار يجلس بينهم،
هادئًا،
يتنفس معهم.
خارج القبو،
كان الليل يحمل همس المدينة.
ليس هتافًا.
ليس ضجيجًا.
شيئًا أخف من ذلك…
وأبقى.
همس أقدامٍ بدأت تتذكر الطريق.
---
–خامساً:
أغمض يحيى عينيه.
رأى المرآة السوداء في آخر الممر،
وشقّها الذي اتسع قليلًا.
الضوء المتسلل منها
لم يكن قويًا،
لكنه بدا هذه المرة
كأنه لا ينوي التراجع.
تعز بقيت تنظر إليه حتى بعد أن أغمض عينيه.
وكانت تعرف،
بذلك الحزن الهادئ الذي لا تملكه إلا الأمهات،
أن ابنها بدأ يمشي
في طريقٍ لا يعود منه الإنسان كما كان.
---
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد... 2026/5/16
#العالَم_العربي #العالَم_الإسلامي #الإنسانية،
#ملحمةُ_النبض_الأول، #أدب_عربي #فِكر_إلهام #غيّروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .