الأحد، 17 مايو 2026

مناقير على أطباق الزمن بقلم الراقي سناء شمه

 مَناقيرُ على أطباقِ الزمن  


هناكَ،

خلفَ التلِّ الرمادي،

تحتَ عباءةِ الوجود،

كان وجهٌ ملائكيٌّ

يطلعُ من بشارةِ التكوين،

لا يعرفُ زيفَ الكلمات

ولا يتقنُ التلوين.


يمشي بخُطًى صغيرة

بين أشجارِ الصنوبر،

يملأ خافقيه صوتُ الريح،

ولا يلتفتُ لضيقِ المعابر.

في فطرته خلايا بيضاء،

لم يُدنّسها مطرٌ ساحق،

ينظرُ إلى الأفق المجهول

ولا يهابُ حارسًا مقنّعًا

ولا قوسًا آبقًا.


ثمّ…

يُشاكسُ أشياءَه تحتَ منضدةِ النهار،

تلمعُ في عينيه عُسوجةُ دهشة،

فيتخفّى خلفَ الجدار.


يكبرُ.

ويهوي مع بلوغِ الأنجم

إلى باحاتِ جُندٍ قُدامى،

يحلمُ أن يكونَ

كأقمارٍ ملتهبة،

يتباهى بقوافلِ الفرسان.


يُمشّطُ أحلامَه

من أوتادِ الغابِ النديّة،

يغفو على هائمةٍ

تلوّحُ نحو فراقدِ الشطآن،

ويتبعُ أثرَ خُضرةِ الماء

علَّه يركبُ بزاده

إلى مشارقِ الوجدان.


يحبُّ.

امرأةً لا تُشبهُ زمنَ الغبار،

ولا ترتدي ثوبًا مستعارًا،

تضعُ في كفّيه عطرَ الليالي،

ويراقبُ ذوائبَ الفجر

من نافذةِ الانتظار.


لكنّ الوقتَ

يندلِقُ من بين الأصابع،

كثوانٍ هاربة،

وتعودُ المللُ القديمة

بأقنعةٍ جديدة.


يا هذه الشواخصُ المتعبة،

أينَ مراقدُ الهوى؟

ومن يُنقّبُ في الذاكرة

عن أوّل نبض؟


تتكدّسُ الطقوس،

وتُجلِّدُ الخيطَ الأخير،

تَرمَدُ العيون

من كثرةِ النوائب،

وتُساقُ أبياتُ الشوق

إلى أبوابِ المغارب

حيثُ لا ينفعُ عطّار

ولا جرعةُ رحيق.


تُصفَّدُ سلاسلُ الوجع

على ضفّتي الروح،

وكأنّ مناقيرَ

تنهشُ أطباقَ الزمن،

تعجُّ بضجيجِ لحنٍ

أفلَتَت منه شموسُ الدفء،

ولم تترك

سوى خدوشٍ

على مناكبِ الأيام.


ليتَ ذلك الوجه

ما غادرَ المكان،

ليتَه لم يكبر

ليتَه لم يتعلّم الخسارة.


لكنّه…

العُمر.


بدأَ بوجهٍ

لا يعرفُ الكذب،

ومضى

يجرِّبُ العالمَ بقلبه،

وانتهى

يُحصي ما تبقّى منه

تحتَ منقارِ الوقت.


قَدَرٌ

لا فِرارَ له،

ولا عنوان.

أنّى يُنعشُ الزهر َ في أواخر خريف. 


بقلمي / سناء شمه

العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .