الأربعاء، 13 مايو 2026

نكبة الروح بقلم الراقي ناصر صالح أبو عمر

 نكبةُ الروح

بكَتْ يافا… فمالَ البحرُ من وجعٍ

وغاصَ برتقالُها بدموعِ مُفجِعِ


كانتْ فلسطينُ الهوى متوضّئًا

بالفجرِ… بالأقصى… بزيتونٍ مُورِقِ


حتى أتى ليلُ الخيانةِ عابسًا

فهوى الصباحُ على دخانِ المَجزَعِ


جاؤوا، وكانتْ أرضُنا مزهوّةً

فتقاسموا الوطنَ الجريحَ المُوجَعِ


هذي القرى كانت تُرتّل عشقَها

فغدتْ قبورًا تحتَ نارِ المُفزِعِ


ركضَ الصغارُ وخلفَهم أمٌّ بكتْ

وتبعثرَ المفتاحُ فوقَ الأذرُعِ


والشيخُ يمشي حافيًا فوقَ الأسى

ويضمُّ حفنةَ تُربةٍ لمْ تُقلَعِ


سبعونَ عامًا والجراحُ ثقيلةٌ

والنزفُ يكبرُ في الضلوعِ ويَتَّسِعِ


سبعونَ عامًا والمخيمُ مقبرةٌ

للصابرينَ وللحنينِ المُوجِعِ


ويَسيرُ جيلٌ بعدَ جيلٍ حامِلًا

حُلْمَ العودةِ في العروقِ المُدمَعِ


حتى إذا اشتدَّ الظلامُ رأيتَهُم

كالجذرِ… إنْ قُطِعَ الزمانُ تفرّعِ


في كلِّ خيمةِ نازحٍ طفلٌ بكى

يبكي الطفولةَ في حصارٍ مُفزِعِ


في غزةَ العظمى المآسي أُضرِمتْ

والقصفُ ينهشُ ما تبقّى ويَستَعِرِ


لا ماءَ… لا خبزًا… ولا دفءَ المسا

والناسُ بينَ الجوعِ والموتِ المُوجِعِ


ناموا على رملِ النزوحِ كأنّهم

ورقُ الخريفِ إذا الرياحُ تُصَرِّعِ


أمٌّ تضمُّ رضيعَها في خوفِها

وترى السماءَ كأنّها نارٌ تُلسِعِ


والطفلُ يسألُ: أينَ بيتي يا أبي؟

فيبكي الأبُ المكلومُ دونَ تَصَنُّعِ


قالَ الأبُ الموجوعُ: بيتُكَ هاهنا

في القلبِ… في الذكرى… بنبضِ المَرجِعِ


يا قدسُ كمْ فدّى الشهيدُ ثراكِ في

دربِ البطولةِ شامخًا لمْ يَركَعِ


هذي المخيماتُ لم تكنْ وطنًا

لكنّها جمرُ السنينِ الأوجَعِ


في كلِّ عامٍ تُستعادُ حكايةٌ

سُرِقَتْ بها الأوطانُ دونَ تَوَرُّعِ


ذكرى النكبةِ ليستِ التاريخَ بلْ

جرحٌ يعيشُ بكلِّ قلبٍ مُوجَعِ


هيَ أمُّ ثكلى… أو شهيدٌ صابرٌ

أو صرخةُ المظلومِ خلفَ المَصْرَعِ


هيَ غزةٌ إن جاعَ فيها طفلُها

ترى الكرامةَ في العيونِ تُدافِعِ


هيَ خيمةُ النزحِ الطويلِ إذا بكتْ

بكتِ السماءُ لِهولِ ما لمْ يُسمَعِ


هيَ قصةُ المفتاحِ فوقَ جدارِنا

ما زالَ يحرسُ عودةَ المُقتَلَعِ


هيَ النخيلُ إذا الرياحُ تكسّرتْ

يبقى الجذعُ عصيَّ كسرِ المِدفَعِ


يا موطني… ما عادَ فيكَ سوى الأسى

لكنَّ في عينيكَ فجرًا يَسطَعِ


سنعودُ رغمَ القهرِ رغمَ دموعِنا

رغمَ المقابرِ والليالي الفُزَّعِ


سنعودُ… مهما أطفأوا قنديلَنا

فالنورُ يولدُ من رمادِ الأدمُعِ


سنعودُ والأقصى يُكبّرُ فرحةً

وتعودُ يافا للضياءِ الأوسعِ


وسيُزهِرُ الزيتونُ بعدَ جراحِهِ

ويعودُ طفلُ الخيمِ نحوَ المَرجِعِ


هذا الفلسطينيُّ لا يرضى الهوانَ

إلّا عزيزًا شامخًا لمْ يَخضَعِ


إنّا صمدنا كالسيوفِ عزيزةً

مهما دهتنا النارُ لمْ نتصدّعِ


فاحفظْ حكايتَنا… فهذي أمّةٌ

كُتبَ الصمودُ بدمعِها المتوهِّجِ



إنّا وإنْ سقطتْ خيامُ مدائنٍ

سنعودُ… فالأوطانُ لا تتزعزعِ


بقلم: ناصر صالح أبو عمر

الخميس | 14 أيار 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .