بينَ الميزانِ واليقين
إهداءٌ إلى كلِّ قلبٍ ظنَّ النقاءَ يُسكنُ في الوجوه
ثم اكتشفَ أنَّ بعضَ الوجوهِ تُتقنُ ارتداءَ الضوءِ لتُخفي العتمة
وإلى الروحِ التي تعلّمتْ متأخّرةً
أنّ بعضَ الأقرباءِ لا يقتربون… بل يختبرونَ اتساعَ الجرح
وإلى الذاكرةِ…
لأنكِ مهما حاولتِ النسيان
تُعيدين ترتيبَ الدرسِ كلَّ مرةٍ بدمعةٍ أصدق
⸻
تعلّمتُ أن الكلمةَ قد تكونُ يداً
تمسحُ على القلبِ برفقٍ… أو تدفعهُ نحو السقوط
وأنّ الوعودَ ليست دائمًا جسورًا
بل قد تكونُ حبالًا من وهمٍ يتدلّى فوق يقيننا
فكيف نطمئنُّ لوجهٍ واحدٍ
وفي داخلهِ ألفُ ميزانٍ لا يستقرّ؟
يدٌ تُضيءُ الطريقَ لحظةً
ثم تتركُنا في منتصفِ العتمةِ بلا دليل
وأخرى تبتسمُ كسلامٍ قديم
لكن خلف ابتسامتها حربٌ لا تُرى
⸻
يا ميزانَ السماءِ…
لسنا نطلبُ معجزة
بل فقط أن يستقيمَ الميزانُ حين يميل البشر
وأن لا يُكافأ القربُ بخذلان
ولا يُجازى الصدقُ بتبدّل الوجوه
فإن طال الانتظار…
ففي القلبِ يقينٌ لا ينكسر
أن ما اختلَّ بين الناس
لا يضيعُ عند من لا يظلم عنده أحد
⸻
ويبقى في النهاية…
أننا نتعلّمُ ببطء
أن السلامَ ليس في معرفةِ الجميع
بل في معرفةِ من يستحقّ أن يبقى
ويبقى في النهاية…
أن الأرواحَ لا تخطئُ حين تتألم
بل تُدقِّقُ النظرَ أكثر في وجوهِ الحقيقة
وأن الخساراتِ ليست دائمًا سقوطًا
بقدر ما هي تنظيفٌ قاسٍ لطريقٍ لم يعد يشبهنا
فكلُّ من مرَّ بنا وتركَ ارتباكًا في الداخل
لم يكن عبورًا عابرًا… بل درسًا مكتوبًا بعمق الجرح
⸻
تعلّمتُ أن الصمتَ حين يطول
لا يعني العجز… بل يعني اكتمالَ الفهم
وأن الردَّ أحيانًا
يكونُ أن نغادرَ بهدوءٍ
ونتركَ للزمنِ مهمةَ التفسير
فليس كلُّ ما يُقال يُجاب
ولا كلُّ ما يُؤلم يستحقُّ أن يُروى من جديد
⸻
يا ميزانَ السماءِ…
إن مالَت كفّةُ الناسِ يومًا
فإن كفّةَ الحقِّ لا تميل
وإن تأخّر العدلُ في الأرض
فهو لا يغيبُ عند من لا يغيب عنه شيء
⸻
ولهذا نمضي…
لا مثقلين بالانتقام
بل خفافًا من كلِّ ما لم يكن صادقًا
نغلقُ الأبوابَ التي أنهكها التردّد
ونُبقي في القلبِ بابًا واحدًا فقط
لا يُفتح إلا على السلام
ولهذا نمضي…
نُرمّمُ أرواحَنا لا بالعودةِ إلى الوراء
بل بالفهمِ الذي يأتي بعد الألم
نتعلّمُ أن النضجَ لا يعني القسوة
بل أن نُحسن اختيارَ من لا يُتعبُ قلوبَنا مرتين
وأن الطمأنينةَ ليست غيابَ الجراح
بل القدرةَ على أن نمشي دون أن ننزفَ منها كلَّ مرة
⸻
كلُّ ما كسرنا…
لم يكن عبثًا
بل كان طريقًا خفيًّا نحو نسخةٍ أهدأ منّا
وكلُّ ما خسرناه…
لم يكن نقصًا
بل كان كشفًا لما لا يستحقُّ البقاء
⸻
يا ميزانَ السماءِ…
إن ضاقت بنا الأرضُ يومًا
فإن في عدلكَ سعةً لا تنتهي
وإن خانتْنا الطرقُ
فإن في حكمتكَ بدايةً لا تخطئ الاتجاه
⸻
فنُسلّمُ الأمرَ…
لا يأسًا
بل يقينًا بأن ما كُتبَ لنا
لا تزيحهُ كلُّ تقلبات البشر
ونمضي أخفّ…
لأننا تركنا خلفنا
ما لم يكن لنا منذ البداية
⸻
ويبقى اليقينُ الأخير…
أن القلبَ حين يختار السلام
يصبح أقوى من كلِّ ما حاول كسره
ويبقى اليقينُ الأخير…
أن ما كُتبَ للروحِ لا يكسرهُ بشر،
وأن السلامَ حين يسكن القلب
يصبحُ وطنًا لا يُغادر.
⸻
قلم: بهاء الشريف
التاريخ: 12 / 05 / 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .