قصيدة: عاشقُ الكتب في مملكة الماء
في تلك الليلة
لم يكنِ البحرُ بحرًا،
كان مكتبةً أفلتت من رفوف الزمن،
مجلداتٌ تتنفس،
وحروفٌ تسبح
كأسماكٍ شفافة
تقتات من الحلم.
الكتبُ هناك
لم تُقرأ…
كانت تُحِبّ.
كلُّ كتابٍ
يفتح صدره للماء
كما تفتح العاشقةُ ذراعيها
لريحٍ تعرف اسمها
ولا تناديه.
في الأفق
ارتفع كتابٌ هائل
كجزيرةٍ من جلدٍ وحبر،
صفحاتُه جبال،
وهوامشه كهوفُ أسرار،
ومن قلبه
يصعد نورٌ
يشبه وعدًا،
ولا يشبه الحقيقة تمامًا.
وعلى صخرٍ
مقيَّدٍ بالأشواك،
وقف رجلٌ
يحضن كتابًا صغيرًا
كما يُحضَن طفلٌ
في آخر الليل
كي لا يبكي.
قال له الكتاب
— نعم، كان يتكلم —
«لا تتركني،
أنا أعرف قلبك،
وحفظتُ أسماء دموعك
بين سطوري».
شدَّه الرجلُ أكثر،
وقال:
«وكيف أتركك
وأنت من علّمني
أن الكلمات
لا تموت؟»
لكن الأشواك
كانت تنمو
كلما ازداد الحبُّ خوفًا،
وكان الخوفُ
يحوّل الصفحات
إلى أقفالٍ صامتة.
من الماء
خرجت المرأةُ
كفكرةٍ نسيها التاريخ،
ثوبُها من موج،
وشَعرُها من ليلٍ
مبلّل بالنجوم،
في يدها
لا عصا
ولا سيف،
بل فراغٌ
يتّسع للحقيقة
دون أن يجرحها.
قالت للرجل
— بصوتٍ
سمعه قلبه فقط —
«الحبُّ الذي لا يترك
يختنق،
والكتابُ الذي لا يسبح
ينسى كيف يُنقذ».
نظر إليها،
ثم إلى كتابه،
ثم إلى الجزيرة المضيئة
التي تعده بالثبات،
وشعر أن قلبه
انقسم
إلى سطرين.
فوقهم
بدأت الكتبُ تتفتّح،
وتتحوّل إلى طيورٍ ورقية،
كلُّ صفحةٍ جناح،
وكلُّ حرفٍ نبضة،
وكان البحرُ
يرفعها
كما يرفع الأبُ
أبناءه
حين يتعلّمون الطيران
ولا يخافون السقوط.
قال أحد الكتب العائمة:
«نحن لا نريد أن نُحفَظ،
نريد أن نُعاش».
وقال آخر:
«اقرأني وأنت تبتلّ،
فالقراءة الجافة
تشبه صلاةً
بلا قلب».
تقدّم الرجلُ خطوة،
وغاص نصفه في الماء،
فشعر أن الكلمات
تذوب من حوله،
وتدخل جلده،
لم يعد قارئًا،
صار نصًّا
يمشي.
الكتاب في يده
ارتجف،
ثم همس بحبٍّ أخير:
«إن عدتَ إليّ
ماءً،
سأكون
أصدق».
تركه…
لا خيانةً،
بل اكتمالًا.
فسقط الكتاب
من ثقل الخوف،
وانفكّت الأشواك
ككذبةٍ قديمة،
وصار الحبر
مجرّد أثرٍ
لا قيد.
حين سبح الرجلُ
لم يعد وحده،
كانت الكتب تحيط به
كأصدقاء نجوا معًا
من حريق المعنى،
وكانت المرأة تبتسم
كمن رأى السؤال
ينجو.
قال البحر:
«هكذا يُحَبّ الكتاب:
أن تمشي به،
لا أن تُسجن فيه».
وعندما أشرقت الشمس
لم يبقَ برج،
ولا جزيرة،
ولا نورٌ يتّهم الماء،
بقي قارئٌ
وقلبٌ مبلّل،
وكتابٌ
يتعلّ
م لأول مرة
كيف يكون حبًّا
لا وصاية.
ومنذ ذلك اليوم
كلُّ كتابٍ يُفتَح
يبحث أولًا
عن بحرٍ،
ثم عن قارئ.
بقلمي : الشاعر عاشور مرواني – الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .