«أوقفوا التصفيق»
«التفاهة أن تزرع فوق المرايا، ولا ترى نفسك وأنت عشبةٌ صفراء بلا جذور.
هل ترى الحصاد تحت المرايا؟»
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 21.01.2023| نُقِّحت في 06.01.2026
في زمنٍ أصبح فيه التصفيق رديفًا للقبول، وأحيانًا للخذلان، وجدتُ نفسي عاجزًا عن التصفيق.
لا لأنني لا أملك يدًا، بل لأن قلبي لم يعد ينسجم مع الضجيج الذي يغطي الفشل، ويُجمّل الخضوع.
هذه القصيدة كُتبت في لحظة اختناق،
حيث بدا لي أن الأكفّ تُستخدم للتجميل أكثر مما تُستخدم للفعل.
صفّقنا طويلًا حتى تآكلت كرامتنا،
صفقنا للعدو وللصديق، للقاتل وللقتيل،
للسلام حين يكون استسلامًا،
وللحرب حين تكون عبثًا.
وأنا، إذ أكتب “أوقفوا التصفيق”،
لا أصرخ في وجه جمهورٍ بعينه،
بل أصرخ في وجه وجهٍ، حين تراوده لحظة ضعفٍ.
⸻
أوقفوا التصفيق
1
هذا الغِراء ليس لي وأنا مُغلق الفم،
كسيحٌ على أرصفة الأسواق،
وعيناي تراقبان سحابةً جرفت رملها وتحلّق.
فلِمَن تُصفِّق الأكفُّ المحترقة، والسحابُ قلق؟
بتُّ أخاطب ظلي علّه
يريكم كيف تهتزّ الركَب من الخوف،
إن فرَّ الضوءُ جريحًا من سهوتنا.
لِمَن نصفّق؟
لأحلامٍ سقطت كأوراق الخريف،
أم لأوهامٍ هاربةٍ
كظلالٍ على جدارٍ منهار؟
لا يقوى على جمع حجارته،
وإن تكوّمت أمام عينيه مصابيحٌ تضيء مساحة الوجوه، فلن يقوى على النظر،
والغفران المرتعش لا يمكث في القهر تحت لحاف.
نادوا المروءة، تزفكم لواقع الغياب،
واسمعوا صدى القهر المخيف.
2
عارٌ يصبّ نفسه قطرانًا أسودَ على الذقون.
فاتركوا وجوهكم وتصفيقكم،
وانتبهوا كم مرّةً تدور بنا الأسفار.
نتردّد مثل زبد الموج، بلا انتماء،
يلفظه البحر، يبتلعه الرمل،
أو يعيده إلينا مضاعف البلاء،
زبدٌ لا يجد لنفسه انتماء.
أين يعشّش السنونو العائد؟
إن كانت أمطارٌ تتسرّب من شقوق السقف،
ونحن نستعجل طرق الأكف،
نؤخّر الأفكار،
فالصباح زعيمٌ جديد،
يمهلنا للصلاة وشرب القهوة المزورة،
ويطيل علينا النظرات، ويمسح النهار بالشفقة.
هل نصفِّق لرياحٍ سوداء تعبر الأوطان؟
لصلحٍ أعمى بين الكراسي وأصابعَ تلعق الوحل،
ونحن نحتفي بسبّابةٍ مرفوعة،
تشهد زورًا على صفقةٍ أولها مستتر وآخرها منسيّ؟
يزداد الرمل على وجوهنا، ويثقلها جراحًا،
يصعد العطش من أعماقنا نذيرًا،
يتحوّل الخبز إلى عفنٍ أخضر،
ويغيب عنه الملح قبل أن يلامس أفواه المحرومين،
المتفرّجين على الحرب… وعلى الصلح،
وما زلنا نصفِّق!
سماءُ العرب مهبطُ الغربان،
قواعدُ عسكريةٌ تطرّز الجسد العربي،
تمنحه موافقةً أبديةً على العبودية.
نراجع كتب التاريخ لنطمئن أنّنا لسنا عفوًا
من أسطورةٍ غلب عليها النعاس،
فغفت بلا هوية.
الأرض تميد من صمت الجنود،
جنودٌ موظفون،
لا وطن يحميهم، لا خوف يردعهم،
نجومهم من صدفٍ ممزّق محزوز برملٍ عابر.
فلماذا نصفِّق؟
المعارضون نائمون كالأشباح،
في زنزاناتٍ فردية،
معلّقون على أعواد المشانق،
اتهموهم بالإلحاد… وبالإيمان،
بالغضب… وبالصمت.
فمَن نُصدّق قبل أن نصفِّق؟
أبرياء تحت الأشواك، وفي القلب غصّة تخنق.
أكفُّنا زرقاء،
جلدُها متآكلٌ كخرائطَ مهترئة،
من الباحثين عن كنزٍ قديم
في جوف جحيم الولاء الكاذب.
سفنٌ تغادر للغرق.
الصوت يغرق في بحر الصمت.
نرسم دوائرَ بحركات اليد المبتورة،
نبحث عن خلاصٍ في الظل،
في وجه الشفق،
ونفكّر بالثورة بعد أن يدرك من صفق
أنّه جائعٌ وعارٍ،
والهواء بين الكفّين أحمق.
3
نطرّز جلدًا جديدًا
بنسيجٍ كشراعٍ يشقّ غبار الغروب،
نمنحه قداسةَ المسيرة،
حتى يضيء العرقُ جبينَ
الذي جفّ… ولم يلعق ندى شوكة.
لن نصفِّق للزيف،
لن نصفِّق لقتلةٍ باعونا في أسواق المربّعات الأمنية.
انتهى زمنُ الحجارة الجوفاء،
وانتهى بيعُ الشهوات على ظهر الوعود،
حمارٍ موظفٍ في دائرة الفتنة.
تصافحوا، تصالحوا،
وافتحوا الأبواب بلا مفاتيح،
واصفقوا بذكاءٍ أجنحةَ الصقور،
حتى ترتفع القامات بألف جناحٍ… وبلا جرح.
هل أصبحنا، بعد التصفيق،
مثقفين ندرك معنى المهارة؟
لكن صوت الحقيقة في فم الكذّاب
يشبه وقع حذاء العسكر.
سقط الرمل عن وجوهنا،
وانتحرت الأكفّ،
لكننا نبحث عن صمتٍ يشبه الخلاص.
يا ليتنا نبدّل النيّات،
وننحني على الكفّين… تابوتًا يجمعنا،
إن ظللنا نُصفّق في جوف البلاهة… بلا نداء.
هاتوا ورود الأقحوان،
رتّبوها بجهدٍ يذكره التاريخ،
وهاتوا جدولًا بكى عليكم من الفقد،
وازرعوا ضفافه ص
فصافَ الرايات.
جرّبوا صوت الفراشة على الرحيق،
وتمايلوا مثل نحلةٍ تحطّ على زهر البيلسان،
وتذكّروا كيف وُلِد التصفيق
من قيد الأعناق.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .