الأربعاء، 9 يوليو 2025

السعال المر بقلم الراقي طاهر عرابي

 "السعال المُرّ" 

في هذه القصيدة، أتلمّس جمرة التشرد وهي تحرق أطراف المعنى،

أكتب عن وطنٍ مُعلّق في سقف الذاكرة، وعن حلمٍ لم يجد كأسًا يصبّ فيه اتقاد الروح.

ليس “السعال المُرّ” حنينًا مجرّدًا، بل محاولة لقول ما لا يُقال، حين يصير الصبرُ خمرًا، والوجودُ فعلًا مقاومًا.

كتبتُها وأنا أفتح النافذة على المطر، وأغلق الباب على النسيان.



السعال المُرّ

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – 12.09.2020 | نُقّحت في 08.07.2025


المطرُ الذي سقط في الماضي،

صار بحيرةً

منتزهًا جميلًا،

أسماكًا تنعم بترانيم القوارب،

أعراسًا وندواتٍ وحفلاتِ غناء…

لا شيء يُذكّر الناسَ إلّا بالصفاء،

وأناسٌ لم يعبروا إلى ضفّة الحسرة،

ولم يروا في الحياة شيئًا

يجعلهم من نسل الثكالى.


أما حزنُنا القديم،

فقد صار جمرة،

حمراءَ اللون، بائسةَ القوام،

حزنَ التشرّد ومرارةَ الوجوم.

فحملنا أخفَّ العناقيد،

لنصنع خمرَ الصابرين،

ولم نجد كأسًا فارغةً

لنصبّ فيها اتقادَ الروح.


تجمعنا وقلنا: سنعود.

سنعود بعد انتهاء الثورة، وزفاف الشهداء،

وبعد أن يفهموا

أننا تحت المطر الرماديّ

من غيومهم السوداء.


دبّ بنا السعالُ المُرّ

ليُذكّرهم بصبرنا،

ويزيد حناجرنا مرارةَ الرجاء،

بعد أن صار الكلامُ

يبعث الفوضى في ترتيب الأولويّات للفاشلين.

فشلنا في صياغةِ قانونٍ للوئام.

كلّهم غادروا وتركوا أشلاء القيم،

حفنةَ طحينٍ، وخبزًا مطليًّا بزيت الكلام.


دعني أغضب،

أنا ما زلتُ في الملعب، أتلقّى الضربات،

وأشيّع الموتى الذين تركوني في سفينةِ نوح.

أترنّح،

والهدف تحدّده الأمواج.

لم أربح سوى أنني موجود،

والخاسرُ هو كلُّ من يغيب.


وهل يغيب الشريدُ عن مولد الثمرة؟

اتفقنا أن الوطن هو الخط الأحمر،

نختلف فقط في عرضه،

وماذا سيغطي؟

حرّيتَنا؟ أخلاقَنا؟ أولادَنا؟

أم سياجًا للقطط؟


لم نجد تعريفًا يشملُ ما نريد،

فرسمنا ألف خطّ،

حتى أصبحنا عناكبَ تهزّ خيوطَها،

فيرتدُّ الصدى قنابلَ من حديد.

إيّاك أن تطالب بالوجود

خارج الأرض… وبعد السدود.


ذهبتُ إلى منبع الأيام،

فوجدتُ عينًا لا تنام.

ذكرتُها في الليل،

فردّتني عن الكلام:

«لن أُكلّم أحدًا

حتى أرى كيف يصير الوطنُ سلامًا».


هطل المطرُ من جديد،

فغيّر النهرُ مجراه،

كأنّه انتهز فرصةً للهرب.

وأنا ما زلتُ أحمل الجمرة،

وأرسم خطًّا بعرضِ الحسرة.


الكلّ يريد أن أنسى.

تتغير الشعوب، تتبدل المصالح،

والوطن محشورٌ في قبو،

وأنت ستبقى وحدك،

تصارع ألف “لا”.


هل ما زلتَ مأمولًا؟

تُغمض عينك عمّن يقطع أطرافك،

وتتودّد،

تدفع العقول إلى فهم

المنفى، المولد، وساعة الجدّ،

وتقول:

علينا أن نعبث في ظلال مصابيح انطفأت،

ونلتزم بالضوء في القلب.

علينا أن ندرك مدى قوّة البقاء

حتى ولو كان في بيتٍ من قصب.


قلت: نعم.

لقد وُلدتُ في المنفى،

ولن أموت كما تموت البشر.

ربما بجناحين… وحبّة تفّاح،

وقافلةٍ ترى في الرحيل صباح.


معجزةٌ أنا، أواسي عمري بعمرٍ لا يفنى،

ولا يفهمني سوى فلسطين.

فكوني فلسطين، يا سيّدةَ المعجزات،

لأكون قدرًا

لمن تمنّى… وصبر، واختار، وظفر،

حين يصير الصبرُ خمرًا،

ويصير الوجودُ فعلًا مقاومًا.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .