الثلاثاء، 15 يوليو 2025

ملحمة الحبر والنار بقلم الراقية أمل العمري

 ملحمةُ الحِبرِ والنار


في عالمٍ يخوضُ حروبهُ بحدِّ الكلماتِ لا بحدِّ السُّيوف،

تنازعَ قلمانِ من حِبرٍ للكتابة على وجهِ ورقةٍ بيضاء،

ليُرسما فيها خواطرَ نفسٍ مكتظّة،

أشعلتها ألسنةُ الحَزْم،

فتتوهّجُ تارةً وتَخمدُ تارةً أُخرى.


حدث أن عرضَ قلمُ حبرٍ أحمرُ إيقادَ ملحمةِ حربٍ،

يكونُ بطلُها فارسًا مقدامًا،

تتناثرُ أسلحةُ الحروفِ بين يديه،

ليُقاتلَ جيشًا من ترددات نفسِه،

التي تُنازعهُ النصر أو الانْهزام.


تدخّلَ قلمٌ آخر بلونِ السماء،

واقترح أن يكتبَ قصيدةً على بحرٍ الشعرِ المتقارب،

علّهُ يُلامسُ حُلمَ الورقةِ بالخُلودِ في الأذهان.


لكنّ النزاع اشتدّ بين القلمين،

وتفاقم حتى ضاقت الورقةُ ذرعًا،

وانزعجتْ

فرمَتْ بنفسها في قلبِ موقد من النار . 

أحرقتِ النيرانُ قلبَها البريء،

فتوهّجَ المكان،

وتطايرتْ شراراتُه لتحرقَ يدَ كاتبٍ عاش هناك،

ولم تُسعفهُ كلماتُه لإطفاءِ ألم حرقها 


اقتربت شُعلةٌ أُخرى من قلبه،

وهمست له بصوتٍ يُشبهُ رعدَ صريرِ الأقلامِ وبرقَها،

طالبةً منه أن يطردَ دُخانَ العواطفِ التي جاشتْ وعبثتْ،

كأعوادِ الثقابِ تنتظرُ ألعابًا ناريةً لتشاركها حفلاتها الصّاخبة.


رفضَ الكاتب، لكنها أصرتْ،

حتى جعلتهُ يهرب من قفصه

ولم ينتهِ الأمرُ عند هذا الحدّ،

فقد استعانتْ بباقي الشُّعلات لتحرقَ كلّ شيءٍ حوله،

وبالفعل، نجحتْ في ذلك.


لكنها كانت قد أبقتْ على أقلامِ الحبر،

لأنهُ تعلّمَ جيّدًا أنها السّببُ وراء خروجه وحرّيته.


عندها، أدركت الأقلامُ بأنها هي المقصودةُ من وراء كلِّ ذلك،

فاتفقتْ فيما بينها على أن يبثّ كلُّ قلمٍ منها حِبره،

علّها تنطفئ تلك الشُّعلات، وتُطفئ المكان.


أسرعت الأقلامُ إلى يدِ كاتبها.

وبادر قلمُ الحبرِ الأحمرُ بالمهمّة،

لينفثَ في وجه الشعلة احمرارَ عزمهِ وإصرارهِ على إخمادها،

وبالفعلِ، نجح في ذلك.


ثم جاء دورُ قلمِ الحبرِ الأزرق،

لينفثَ ازرقاقَ تودّدهِ وسكونَ بحرِه في وجهها،

فانطفأتْ... خجلًا.


وأخيرًا، انطفأت كلُّ الشُّعلات،

لكنّها تركتْ رمادَ رحيلِها مُلتصقًا بجدرانِ المكان،

كوقودٍ لأقلامِ الرصاص،

لتقومَ بدورها أيضًا،

بكتابةِ سطورٍ على أوراقٍ أُخرى بلونٍ جديد،

وربّما تتنازعُ يومًا مع أقلامِ الحبر،

في مشهدٍ جديد

كما تفعل الآن مع قلمي المسالم.


أمل العمري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .