رشيدة
بِقَلَمِي: مُحْرِزِيَّةُ كُرَيْدَانَ
فَتَحْتُ تَطْبِيقَةَ الْفَيْسْبُوكِ صُدْفَةً هَذَا الْمَسَاءَ. فَجْأَةً رَفْرَفَتْ ذَاكِرَتِي بِجَنَاحَيْهَا فَرَحًا. لَمَّا تَوَقَّفَتْ عَيْنَايَ عَلَى اسْمٍ وَلَقَبِ رَشِيدَةَ. زَقْزَقَتْ عَصَافِيرُ الْمَاضِي، مُرْسِلَةً أَنَاشِيدَ الْفَرْحَةِ وَ مُرَدِّدَةً تَرَاتِيلَ الْغِبْطَةِ. زَخَرَتْ مُخَيِّلَتِي بِذِكْرَيَاتٍ جَمَعَتْنِي بِرَفِيقَةِ الْجَامِعَةِ. رَشِيدَةُ تِلْكَ الْفَتَاةُ السَّمْرَاءُ الْجَمِيلَةُ، الْمَرِحَةُ. رَشِيقَةٌ هِيَ. أَذْكُرُ شَعْرَهَا الْبُنِّيَّ الْحَرِيرِيَّ الْمُنْسَدِلَ عَلَى كَتِفَيْهَا. كَثِيرًا مَا كَانَتْ تَشُدُّهُ إِلَى الْخَلْفِ. وَ عَيْنَيْهَا الْوَاسِعَتَيْنِ ذَاتِ الرُّمُوشِ السَّوْدَاءِ الطَّوِيلَةِ. لَطَالَمَا غَمَرَتْنِي بِحَنَانِهَا. وَ آنَسَتْ غُرْبَتِي دَاخِلَ الْحَرَمِ الْجَامِعِيِّ. بِوُجُودِهَا أَشْعُرُ بِطُمَأْنِينَةٍ سِحْرِيَّةٍ لَا أَعْرِفُ سَبَبَهَا، سِوَى أَنَّهَا صَدِيقَتِي الْمُقَرَّبَةُ. فَاضَتْ ذَاكِرَتِي بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ الْمُمْتِعَةِ مَعَهَا بِمَمْشَى الْجَامِعَةِ الطَّوِيلِ، بَيْنَ أَرْوِقَتِهَا وَ قَاعَاتِهَا، بِمَشْرَبِهَا وَ أَمَامَ الْمَكْتَبَةِ، بِمَدْخَلِ مُدَرَّجِ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَةِ التَّرْبَوِيَّةِ. كُنَّا لَا نُحِسُّ بِالْوَقْتِ وَ نَحْنُ كَعُصْفُورَتَيْنِ أَيَّامَ الرَّبِيعِ. أَبُثُّهَا مَا يُخَالِجُنِي أَوْ يُقْلِقُنِي. تُخَفِّفُ عَنِّي. لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةَ الْكَلَامِ عَنْ نَفْسِهَا، وَ لَكِنَّ الِابْتِسَامَةَ لَا تُفَارِقُ مُحَيَّاهَا. رَوَتْ لِي ذَاتَ مَرَّةٍ حِكَايَةً تَخُصُّهَا بِاغْتِزَالٍ شَدِيدٍ وَ عَمِيقٍ. لَمْ أَنْسَ كَيْفَ كَانَتْ تُكَابُِد دَمْعَتَهَا. فَاحْتَرَمْتُ مَوْقِفَهَا وَ لَمْ أَسْأَلْهَا عَمَّا حَدَثَ لَاحِقًا. شَاجَتْ أَطْيَافُ الْمَاضِي بِذِهْنِي ثَانِيَةً إِلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ. تَرَاقَصَتْ وَ تَرَاصَّتْ. ثُمَّ طَارَتْ وَ حَطَّتْ بِي عَلَى رَصِيفِ عُشْبٍ كَانَ يُغَطِّي جُزْءً كَبِيرًا من سَاحَةَ الْجَامِعَةِ. فَغَرِقْتُ فِي حُلْمٍ لَذِيذٍ. بَقِيتُ أَسْتَذْكِرُ أَثْنَاءَه قَصَص الْمَاضِي الِاسْتِثْنَائِيَّةِ. اِقْتَرَبْتُ مِنَ الشَّاشَةِ ثَانِيَةً. إِنَّهَا هِيَ... إِنَّهَا رَشِيدَةُ. أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِيهَا. يَالَهَا مِنْ رِحْلَةِ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ فَرَّقَتْنَا. وَ هَاهِيَ تَجْمَعُنَا مِنْ جَدِيدٍ. وَصْفُهَا يَحْمِلُ الْكَثِيرَ مِنَ الدِّفْءِ وَ الْحَنِينِ. تَغَيَّرَتْ وَ اكْتَنَزَتْ خَدَّاهَا وَ لَكِنَّ مَلَامِحَهَا بَقِيَتْ ثَابِتَةً. قَدْ تَكُونُ التَّجَاعِيدُ بَدَأَتْ تَظْهَرُ لَكِنَّهَا تَزِيدُ، اِبْتِسَامَتُهَا سِحْرًا وَ عُمْقًا وَ كَأَنَّهَا وِشَاحٌ يُزَيِّنُ جَوْهَرَةً ثَمِينَةً. عَيْنَاهَا نَافِذَتَانِ عَلَى كُنُوزِ الذَّاكِرَةِ. رُبَّمَا خَفُتَ بَرِيقُهُمَا قَلِيلًا. وَ لَكِنَّهُمَا يَحْمِلَانِ الْآنَ نَظْرَةً أَكْثَرَ حِكْمَةً. مَلَامِحُهَا مَأْلُوفَةٌ كَدِفْءِ الْوَطَنِ. حَتَّى مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ بَقِيَتْ مَحْفُورَةً فِي الْقَلْبِ. تَبْعَثُ عَلَى الْأُلْفَةِ وَ الرَّاحَةِ. بَدَأَ الشَّيْبُ يَغْزُو شَعْرَهَا وَ لَكِنَّ هَذِهِ الْخُيُوطَ الْفِضِّيَّةَ أَضْفَتْ عليه وَعلى شَخْصِيَّتِهَا وَقَارًا وَ جَمَالًا. وَ تظَلُّ خصائله تَاجًا يُزَيِّنُ قَامَتَهَا وَ يَحْمِلُ مَعَهُ ذِكْرَيَاتِ تَصْفِيفَاتِ الشَّبَابِ وَ أَنَاقَةِ الْحَيَاةِ الْجَامِعِيَّةِ. فَنُعُومَةُ الْأَيَّامِ، مَا انْفَكَّتْ تُلَامِسُه. تَغَيَّرَ شَكْلُهَا الْخَارِجِيُّ، عَلَى أَنَّ رُوحَهَا الشَّابَّةَ مَا زَالَتْ تَسْكُنُ جَسَدَهَا. فيَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ وَ بِالْحَيَوِيَّةِ. وَقَفَتْ رَشِيدَةُ بِكُلِّ ثِقَةٍ لِتُطْلِعَنِي عَلَى هِوَايَتِهَا الْحَالِيَّةِ. وَ أَرَتْنِي أَلْوَاحًا زَيْتِيَّةً مُخْتَلِفَةَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَشْكَالِ وَ الْمَحَاوِرِ. رَسَمَتْهَا رِيشَةُ فَنَّانَةٍ وَ جَعَلَتْهَا تُضَاهِي الطَّبِيعَةَ رَوْنَقًا وَ حُسْنًا. حَدَّثَتْنِي عَنْ عَائِلَتِهَا وَ أَفْرَادِهَا بِاخْتِصَارٍ شَافٍ. فَازْدَادَ تَعَلُّقِي بِكَلَامِهَا. وَ تَمَنَّيْتُ أَنَّ عَقَارِبَ السَّاعَةِ تَتَوَقَّفُ. فَعُمْقُ عَلَاقَتِنَا وَ التَّفَاهُمُ الْمُتَبَادَلُ بَيْنَنَا، قَدِيمًا قَدْ تَجَلَّى فِي هَذَا اللِّقَاءِ الْخَاطِفِ. وَ مِنْ دَوَاعِي سُرُورِي، فَقَدْ تَوَاعَدْنَا عَلَى اِتِّصَالَاتٍ أُخْرَى وَ رُبَّمَا لِقَاءَاتٍ مُبَاشِرَةً.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .