رحلة إلى البشندى ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
لم تكن جلسات إسماعيل زبادي مع أصدقائه على الحصيرة المفروشة أمام منزله بقرية من قرى الجيزة جلسات فراغ أو تسلية، وإن بدت كذلك لمن يمرّ من بعيد.كان الشاي يُغلى على مهله، والقهوة تُقلَّب في الكنكة، والمعسل يشتعل ثم يخبو، لكن الكلام الذي يدور بين الرجال كان له وزن آخر.هنا تُعقَد الاتفاقات الصغيرة، وتُقسَّم الأدوار، وتُستعاد ليالي قديمة، ويُحضَّر لموعد لا يخطئه القلب: ليلة البشندى.
كان زبادي يعرف الجلود كما يعرف وجوه الجالسين. يدبغها بيده، يشدّها على الطبلة الفخار، أو على الرقّ، أو على المزهر الخشبي، ثم يجرّب الصوت بأطراف أصابعه، كأنه يوقظه من نومه. يؤجّرها عامًا، ويبيعها عامًا، لكن ليلة البشندى لا يساوم فيها.
هي ليلته، وسمعته، وذكره الذي يتردّد من بعده.قبل الليلة بأيام، تُعلَّق الزينة في الشوارع الضيقة،وقبل العصر بقليل، تبدأ الكهارب الملوّنة في الاشتعال واحدةً تلو الأخرى،كأن القرية تُجرّب قلبها قبل أن تخفق دفعة واحدة.
من أول النهار، كان المولد قد بدأ يتسرّب.
عربة حمص توقفت عند أول الشارع،رجل يجرّ مراجيح مفككة يسأل عن الساحة،وشاب نحيف يحمل كيس أقمشة ملوّنة، يرمق البيوت بعين من يعرف أنه لن يبيت هنا طويلًا. هؤلاء لا ينتمون لقرية بعينها، ينتمون للمولد نفسه، ينتقلون معه كما تنتقل الغواية والرزقة.
بعد العصر، وقف زبادي في صدر الحصيرة.
الميكروفون في يده، صوته اختبره مرة،
ورجال الفرقة اصطفوا في صفّين، الطبلة، والمزاهر، والرقّ، وأطفال يحملون الأعلام الخضراء والحمراء، أكبر من أكتافهم، لكنهم يرفعونها بفخر. في المنتصف، تروسيكل عليه ماكينة الميكروفون وبطارية مشحونة،
ومن خلفه، بدأت الخطوة الأولى. خرج الموكب من بيت زبادي،
ومع أول ضربة طبلة،
تحرّكت القرية.كان زبادي ينشد،والرجال يردّدون ،أجسادهم تميل يمينًا ويسارًا في فقرٍ صوفي قديم، والأعلام تهتز فوق الرؤوس،
والصوت يعلو، كأنه يبحث عن سقف فلا يجده. توقّفوا أمام أول بيت كبير. نادى زبادي على صاحبه باسمه،دعا له، لأولاده، لزرعه، لستره، خرج الرجل بالتحية، فطال الدعاء،
وكلما زادت قيمة الورقة في اليد،زاد الصوت دفئًا وإطالة. في الشوارع الرئيسية، بدأ المولد يظهر كاملًا. المراجيح دارت،وصراخ الأطفال اختلط بضرب الطبلة، وعربات البمب أطلقت فرقعتها المعدنية وامتلأ الجو برائحة البارود ، فالتفت طفل من حملة الأعلام،ترك علمه لحظة، فشده زبادي بعين غاضبة،وأعاده للصوت.
رائحة الحمص الساخن،
وحلاوة المولد المصفوفة كقلوب مفتوحة،وبخار الذرة،
كلها دخلت الأنف قبل العين.الباعة يساومون،
والناس تتزاحم،
والدعاء يمرّ فوق الرؤوس كظلّ مبارك.
امرأة تشدّ طفلًا إلى صدرها،تربّت على رأسه،
تسأل عن خيمة الطهارة،
والطفل لا يسمع غير الطبلة، ينظر إليها كأنها ستنقذه أو تبتلعه.
في الأطراف، رجال يقفون في دوائر صغيرة،
الأيادي تتحرك أسرع من العيون،ضحكة مكتومة،
ونظرة حذرة، وفي الزحام، محفظة تغيّر مكانها، ولا أحد يصرخ.
خيام السيرك انتصبت،
وأمامها وجوه مشدودة،
ونظرات تعرف طريقها جيدًا.زبادي لا يلتفت،
لكن صوته يعلو أكثر،
كأن الذكر حجاب،
وكأن المولد كله امتحان طويل.كلما اقتربوا من الشارع المؤدي إلى المقام،اشتد الأداء،
وتجوّد الصوت،فالفرق أمامهم وخلفهم،والعين تعرف أن الليلة ميزان.
النساء يتجهّن بصواني الفتة، والأرز باللبن،
والفول الثابت،والوجوه مرفوعة،والنية خالصة.
عند المقام،توقّف الموكب.سكنت الطبلة،
وانخفضت الأعلام.
تقدّم زبادي، رفع الميكروفون،ودعا.
أمّن الرجال،وأمّن الناس،
لكن العيون، بعد الدعاء،
انفرطت،بحثت عن صينية قريبة،عن لقمة،
عن نصيب.
خادم الضريح استقبل الصواني، وزّع بعضها على الفرق،وجلس زبادي ورفاقه يأكلون،
والصوت من حولهم لا يهدأ.في لحظة،شعر زبادي أن المولد أكبر من الشيخ،وأكبر من الليلة،
كأنه بلد مؤقت،يقام ثم يُرفع،ولا يترك غير الأثر.
بعد الاستراحة،نهضت الفرقة.سلكوا طريقًا آخر للعودة.الحصيلة معهم،
والصوت عاد، لكن هذه المرة أخفّ،أدفأ،كصوت جيش عاد من غزوة ناجحة.الأناشيد امتزجت بأغانٍ يعرفونها،
والضحك خرج بلا حرج،
والليل تمدّد.أمام بيت زبادي،استمرّت السهرة حتى الفجر.الطبلة لا تنام،والذكر لا ينقطع،
والقرية، في تلك الليلة،
لم تكن قرية.كانت تحتفل بوليّها،كأنه عيد قومي،وكأن البشندى ما زال حيًا، يمرّ بينهم،
ويبتسم. وفي الصباح،
كانت بعض المراجيح تُفكّ،وعربات البمب تشدّ حبالها، والوجوه الغريبة تختفي،في طريقها إلى مولد آخر، بينما بقي الذكر، وبقي الاسم،
وبقيت ليلة
تُروى كل عام.
طارق الحلواني
٢٠٢٥