"خلف البحر…"
ليست وجهةً جغرافية، بل استعارةٌ لإنسانٍ عصريٍّ اختار أن ينكفئ.
هناك، حيث تهرب الشمس لا لأننا طردناها، بل لأننا أصبحنا غير جديرين بها؛
حيث تُكدّس الذكرياتُ والقصائدُ والفتنُ والقصصُ في محاولةٍ مستميتةٍ لصنع خلاصٍ وهمي.
في هذا النص، نرحل إلى عالمٍ يتخلّى عن الخوفِ كي ينجو، فيغرق.
نرى الذكاءَ وقد فشل في النجاة، والحرية وقد تحوّلت إلى مراوغةٍ أخلاقية،
بين أمجادٍ مثقوبة، وقواربَ نجاةٍ اخترقناها بأيدينا.
إنها نظرةٌ ناقدة، ساخرة أحيانًا، حزينة دائمًا،
تسائل كيف أصبح الإنسان ذاته هو البحر الذي لفظ كلَّ شيء… إلا عبثه.
ولعل النجاةَ ليست في اختراع الخلاص، بل في العودة إلى إرادةِ مصيرٍ مكشوف، لا يتخفّى، ومبنيٍّ على نقاء داخلي.
فإن كانت الأخلاق تتوارى تحت زحمةِ العلاقات، فالأجدر أن ندمجها بالمصير، لا أن نستبدلها بالخوف.
⸻
خلف البحر
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 10.06.2022 | نُقّحت 05.08.2025
1
خلف البحر تعيشُ الشمسُ
بهدوءٍ لا نعلمُ كيف صنعته لنفسها،
ولا نعلم إن كانت في زيارةِ أناسٍ غرباء،
حيث تجدُ نفسها في قلبِ السعادة.
هل تعبت من أذواقِ البشرِ المطموسة،
بكبريائهم وريائهم،
وتزاحمهم في طلبِ اللذائذ
في مطاعم مزدهرةٍ بالورود
والشجيراتِ البلاستيكية الحنونة؟
هاربين من الشمس،
كأنهم مثقلون باللهبِ المُرّ،
تاركين الابتسامات — كعادتها —
مصفوفةً على الشفاه،
لتجنّب الحرج،
وللتضامن مع الحياة… دون برهان.
كلُّ مصائبهم تتركها الشمسُ لهم،
وكأنهم كانوا في مكانٍ آخر،
لا يُشجّع الشمسَ على البقاء.
خلف البحر،
فرشوا بساطًا،
وأشعلوا قناديلَ الدخان.
تهامسوا:
“لن يسقطَ العقلُ إلا بالفتنة،
ونخشى أن تغضبَ الشمسُ إن رأت الضوء؛
قد تُعاتبنا بقسوة!”
بالدخانِ، لنا حُجّةٌ بلهاء…
إنها إرادةُ الغباء،
مثل تلك التي يسمّونها: إرادةَ الشقاء.
2
خلف البحر يوجد الماضي،
المتعبُ من الأشواق.
نكدّس هناك الذكرياتِ
بحماقةِ الحبِّ المُكلِف،
لنفرّ من الألمِ المستمرِّ
في عدوانِه على المشاعر.
نحاول أن نكونَ — جُزافًا — جزءًا
من لوحةٍ نرسمها في الخيال،
حتى وإن كانت فاشلة،
فهي من إبداعنا السري.
نحنُ من يقرّر كسر عبوديةِ التبعية،
سنرسمُ سدًّا يقطعُ النهر،
ونتحكّمُ برجاءِ الوردِ خلف السد.
نتقمّص أرواحًا لا نعلم أين عاش أصحابُها،
نحبّهم لكونهم غرباء،
ونرسمهم كما كنا نبغضهم،
دون لائمةٍ أو عقاب.
نعتاد السخريةَ، بجرأة غُرَيْر العَسَل
حتى نقتحمَ عالمًا نظنُّ أننا فيه وحدنا أسيادًا.
نرسم زرافةً يجرّها فيل، ونقول:
يا ليتنا معهم،
في متعتهم بين أشجار الأكاسيا الرائعة.
3
خلف البحر، أمواتٌ منّا،
فقدوا الحياةَ بعد أن أرهقوا أنفسهم
وهم يصطادون السردينَ المُمل،
في طريقهم إلى ثراءٍ
لا يصلهُ إلا المرهقون في الأرض.
ظنّوا أن للكستناءِ طعمًا آخر… حتى في الصيف،
وأنّ الليمونَ الحامضَ
قد يتحوّلُ — إن استقرّ الثراء — إلى تفّاحٍ أصفر.
لا شيء يُرعبنا أكثر
من فَهمِ الوقاحة… في استنزافِ القناعة
ذهبوا ونحنُ باقون،
نتذكّر وجوههم بذكاءِ النسيان،
ونأمل نسيانَهم.
لسنا منافقين إطلاقًا؛
نحن نحبُّ ونكرهُ
مثل كلِّ الذين ماتوا خلف البحر.
لكننا لن نُرهق أنفسنا
بما أحبّوا أو كرهوا؛
لا يمكن أن تعيدَ الخبزَ المحروق
إلى طحينٍ أبيض.
4
خلف البحر،
تشابهٌ بين أرضِنا المرصّعةِ
بذكرياتِ الحروبِ والأوبئة،
وأرضِ البحر الطاهرة؛
لكنهم أغرقوها بالساقطين في الماء:
سفنٌ، مدافعُ، وعتادُ استعمارٍ سخيف.
يستخرجون منها القطرانَ الأسود،
ويشبّهونه بالذهب.
عبثيّةُ الشقاءِ والثراءِ…
في برميلٍ قبيحِ الشكل،
يُذكّرنا بخيبةِ الذين ماتوا
خلفَ الحمير، وهم يحملون زيتَ الحوت.
قبلنا عبثٌ، وبعدنا عبثٌ،
والجميعُ يرضى أن يكونَ
نعشًا للأرض.
تشابهٌ لا يعني أحدًا منّا الآن.
نحنُ دومًا أبرياءُ وشرفاء،
ونُجيد الحديث عن أزهارِ عبادِ الشمس،
وهي تتبعُ الشمس،
وتُعجبنا حين تتوقّف،
خوفًا على حياةِ العصافير.
لكن، ماذا لو ارتعبتِ العصافير،
وواصلَ عبادُ الشمسِ دورتَه؟
إنها الشمس…
لا تغارُ على الجمال،
بل تحرقه
وللبحرِ أرضٌ بلا بشر،
مُتهالكين على أشيائهم:
ملعقةٍ صغيرة، فنجانِ قهوة،
صحنٍ مطرَّزٍ بالورودِ المنسية.
أشياءُ كثيرةٌ لا تُعد،
ولا تحتاجُ مروءةَ أحدٍ منّا
كي يُواسيها وهي ملقاةٌ بلا لطف،
مبعثرة…
هديةً منّا لمواليدِ الحيتان.
5
خلف البحر، نجدُ أنفسنا
مستقلّين عن توابعِ الأقدار،
أذكياء دون تكلفةٍ مرهقة.
نجادلُ الوقتَ، نصنعُ خلاصًا وهميًّا.
نحرّرُ الصحفَ اليومية،
ونكتبُ قصائدَ مُبهمة،
لتنالَ إعجابَ المرهقين
من معادلاتِ الشهوات.
نقول فيها:
“غاباتُ البحر تحترق،
والدواءُ المُرُّ لا يجلب الشفاء،
وعشيقتي لا ترقصُ
إلا تحتَ ضوءِ القمر.”
وغير ذلك مما تعلّمنا قولَه
وقتَ الحريّةِ الفردية،
ووقتَ هروبِ الالتزام من الأخلاق.
نُحبّ لنُثبتَ للحبِّ أننا حلفاؤه.
خلف البحر،
سقطَ حاجزُ الخوفِ المحبوب،
ولا ندري أين غرق…
ولكننا — نحنُ — ما زلنا نغرق.
لقد ألقوا علينا دولابَ النجدة،
فثقبناه… وما زلنا نصرخ.
(ط .عرابي – دريسدن)