خرائطُ القلبِ الممحوّة
أدخلُ الوعيَ
كما يدخلُ الغريقُ
في ماءٍ يعرفُه ويهابُه
فلا أنا أبلغُ الضفّةَ
ولا الماءُ يردُّني
إلى ما كنتُ
أمضي إلى نفسي
فتنغلقُ الممرّاتُ ورائي
وكلّما لمعَ معنىً
انطفأتْ أطرافُه
كأنّ الفكرةَ
لا تُفضي إلى وضوحٍ
بل إلى هاويةٍ
يتّسعُ مداها
كلّما حسبتُ أنّي
اقتربتُ منها
عقلي سلّمٌ
يلتفُّ على نفسه
أصعدُه
فأعودُ إلى قاعي
وأحسبُ أنّني
أدنو من يقينٍ
فإذا بي
أهبطُ إلى سؤالٍ آخرَ
كان يختبئُ
في ضوءِ الجوابِ
خمسُ حواسٍّ
لا تكفي
لما يضطربُ في الداخلِ
وعشرُ أصابعَ
لا تمسكُ
إلّا ما يفلتُ
وفي صدري
صفرٌ باردٌ
يكبرُ
كلّما ضاقتِ الأسئلةُ
المنطقُ
يتصدّعُ ببطءٍ
عند الحافّةِ
التي تسبقُ الدمعَ
والفلسفةُ
تطيلُ الإصغاءَ
إلى صمتِ الأشياءِ
ثم تعودُ
بيدٍ فارغةٍ
أمّا العشقُ
فليس وعداً
ولا نجاةً
ولا باباً
يُفتحُ على السكينةِ
إنّها هوّةٌ
كلّما مددتُ إليها
ما تبقّى منّي
اتّسعتْ
ومسافةٌ
كلّما ظننّا أنّها تضيقُ
أضرمتْ
نارَها بيننا
الحبُّ
ليس اجتماعاً
بل ذلك الفراغُ المضيءُ
بين نبضةٍ وأخرى
ذلك اللمعانُ الخاطفُ
الذي يمحو خرائطَ القلبِ
ويتركُ الجهاتِ
معلّقةً
في ارتجافِ الحيرةِ
وأنا فيهِ
أغيبُ
كلّما حضرتُ
وأنقصُ
كلّما امتلأتُ
صوتي يخفتُ
كلّما حاولَ أن يعلوَ
ووجودي يتراجعُ
كلّما اشتدَّ حضورُكِ
حتّى إذا لم يبقَ منّي
غيرُ أثرٍ
لا تراه العينُ
انبثقَ المعنى
في هيئةِ غيابِ
أدورُ
لا لأنّ الوصولَ ممكنٌ
بل لأنّ المركزَ
وهمٌ
لا يكفُّ
عن ابتلاعِ ظلِّه
والكونُ
ليس نظاماً خالصاً
بل معادلةً
سقطَ برهانُها
وبقيتْ دهشتُها
ترتعشُ
في الفراغِ
الجنونُ
ما يتبقّى من العقلِ
حين يحترقُ حدُّه الأخيرُ
حين تقيسُ المسافةَ
بين "أنا" و"هو"
ثم تكتشفُ
أنّ الصفرَ
يلمعُ في آخرِ المعنى
كحقيقةٍ
لا يطالُها الشرحُ
أحترقُ
لا لأصيرَ نوراً
بل لأرى
ما لا يُرى
إلّا بعد الاحتراقِ
هناك
يصمتُ العقلُ
وتتراجعُ اللغةُ
وتبقى المتاهةُ
وحدها
عارفةً
بما لا يُقالُ
يا سيّدَ الحيرةِ
لا ترفعْ هذا اللغزَ
عن قلبي
بل دَعْهُ مفتوحاً
كي أمضي
في تيهي
حتّى آخرِ المعنى
واجعلْ من ضياعي
شكلاً آخرَ
للعبورِ
ومن فنائي
طريقاً
لا يثقلُهُ الخلاصُ
فما الحبُّ
إلّا كسرٌ
لا يكتملُ
وما نحنُ
إلّا احتمالاتٌ مرتعشةٌ
تلوحُ قليلاً
ثم تنطفئُ
وتتركُ في الهواءِ
أثراً شفيفاً
يشبهُ الخلودَ
عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .