الأحد، 8 فبراير 2026

بناء الحدود النفسية بقلم الراقي د.حسين عبد الله الراشد

 🔹 سلسلة وعي | حين تُستنزف بصمت 🔹

المحطة الخامسة | بناء الحدود النفسية،

_________________

في واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث لا يُساء فهم القوة على أنها قسوة، نصل إلى المفهوم الذي نخافه أكثر مما نرفضه: الحدود.

لا لأننا لا نحتاجها، بل لأننا لم نتعلّم كيف نضعها دون أن نشعر أننا نخذل أحدًا.

الحدود النفسية ليست جدرانًا، ولا انسحابًا، ولا قطيعة مموّهة. هي ببساطة القدرة على أن تقول: هذا أستطيع، وهذا لا أستطيع، دون أن تشرح نفسك طويلًا، ودون أن تعتذر عن كونك إنسانًا له طاقة وحدود.


كثيرون لا يعجزون عن العطاء، بل يعجزون عن التوقّف. لا لأنهم لا يريدون، بل لأن التوقّف يوقظ فيهم خوفًا قديمًا: أن يُساء فهمهم، أن يُتَّهموا بالتغيّر، أن يفقدوا مكانهم في حياة الآخرين. وهكذا يتحوّل غياب الحدود إلى محاولة غير واعية للحفاظ على القبول.


نحن لا نُستنزف لأن الآخرين يطلبون كثيرًا، بل لأننا نمنح دون أن نسأل أنفسنا: هل هذا يناسبني؟ هل أملكه فعلًا؟ هل أقدّمه اختيارًا أم خوفًا؟


فالحدّ الذي لا نضعه اليوم، سيُفرض علينا غدًا… ولكن بثمن أعلى.

أصعب ما في بناء الحدود النفسية ليس رسمها، بل تحمّل ردود الفعل بعدها. فحين تتوقّف عن منح ما اعتاد الآخرون أخذه، لن يُناقَش تعبك، بل سيُختَبَر صبرك. وهنا يتوهّم كثيرون أنهم أخطأوا، بينما الحقيقة أنهم فقط خرجوا من دور قديم.


الحدود لا تُفقدك إنسانيتك، بل تحميها. ولا تجعلك أقل عطاء، بل أكثر صدقًا فيه. لأن العطاء الذي يأتي من فراغٍ داخلي، ليس كرمًا… بل استنزاف مؤجَّل.


وحين تتعلّم أن تقول “لا” دون عداء، وأن تتراجع دون شعور بالذنب، تبدأ باستعادة علاقتك بنفسك. عندها فقط تفهم أن احترامك لحدودك ليس أنانية، بل مسؤولية، وأن من لا يحتمل حدودك، لم يكن يحتملك أنت، بل ما كنت تقدّمه.


وهنا يتشكّل التحوّل الحقيقي:

من شخص يُنقذ المواقف على حساب نفسه،

إلى إنسان يختار حضوره بوعي،

ويغادر حين يلزم دون ضجيج.


هذه المحطة لا تعلّمك كيف تُغلق الأبواب، بل كيف تتركها مفتوحة دون أن تُستنزف. لأن الحياة لا تُقاس بكمّ ما نعطيه، بل بقدرتنا على أن نبقى كاملين ونحن نعطي.


ومن هنا… نقترب من السؤال الأخير:

ماذا يتبقّى لنا حين نستعيد موقفنا من أنفسنا؟


✍️ #_حسين عبد الله الراشد

ك

اتب تأمّلات في الوعي الإنساني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .