وصيّتي ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
في فجر يومٍ رماديّ، ودّع صهيب زوجته عند باب الشقّة. لم يطل الوداع، غير أنّ عينيها قالتا ما عجز عنه الكلام. قالت وهي تحاول أن تبتسم:
— ابقَ كما أنت.
هزّ رأسه، ولم يقل إن أكثر ما يخشاه هو ألّا يبقى كذلك.
كانت تلك أوّل مرّة يركب فيها طائرة. جلس إلى جوار النافذة، يتأمّل القاهرة وهي تنكمش تحته، تتلاشى ضوضاؤها دفعة واحدة، كأنّها حلم استيقظ منه فجأة.
في مطار فيينا، استقبلته سيارة السفارة. شوارع نظيفة، مبانٍ صامتة، ونظام لا يرفع صوته. عند الوصول، صافحه السفير وقال بثقة:
— ستعيش أجمل أيّام حياتك هنا. انسَ الزحام والضجيج والعشوائيّة.. انسَ مصر.
ابتسم صهيب، ولم يُجب.
أُسكن مؤقّتًا في استراحة صغيرة داخل السفارة. وفي أوّل يوم عمل، تعرّف إلى الرجل الذي سيحلّ محلّه: بكر، أو كما يناديه الجميع: الشيخ بكر. لم يكن مهيبًا كما توقّع، بل هادئًا، بعينين تحملان تعبًا قديمًا لا يبوح به.
حين حان وقت الظهر، قال بكر ببساطة:
— نصلّي.
توجّها إلى مسجد صغير داخل المبنى. وبعد الصلاة قال بكر فجأة:
— كلّ شيء هنا سهل.. إلا أمرًا واحدًا.
— وما هو؟
— خطبة الجمعة.
ابتسم صهيب متعجّبًا:
— وما شأني بها؟
— ستخطب. كنت أفعل ذلك، وستحلّ محلّي.
تغيّر وجه صهيب، وقال في اعتراض خافت:
— لم أفعل هذا من قبل. أنا ملحق إداري، لا خطيب مسجد.
وقال في نفسه بمرارة: أجئت من مصر إلى أوروبا لأصير شيخًا؟
لم يُجادله بكر، واكتفى بأن قال وهو يغلق درج مكتبه:
— الخطب مكتوبة. ستقرأ فقط.
ثم أضاف بهدوء:
— أحيانًا.. المكان هو من يختار أهله.
في المساء، جاء بعض الزملاء للترحيب به، واقترحوا جولة في “ليالي فيينا”. لم يرفض. قصور عتيقة، حدائق واسعة، موسيقى صاخبة، ومطعم يعجّ بالضحكات. صديقات، رقص، وكؤوس تتنقّل بين الأيدي. وُضع كأس أمامه، فمدّ يده نحوه.. ثم توقّف.
لم يتراجع خوفًا من الله، بل خوفًا من نفسه لو أحبّ الأمر.
قال له أحدهم مازحًا:
— هنا كلّ شيء مباح. قريبًا سيكون لك صاحبة. إيّاك أن تكون مثل الشيخ بكر!
ابتسم صهيب ابتسامة باهتة. كان حاضر الجسد، غائب الروح.
عاد ليلًا، وجلس وحده. تذكّر صوت زوجته وهي تقول يومًا: لست خائفة عليك، بل خائفة منك إن تغيّرت.
شعر أنّ الغربة بدأت تمتحنه.
في اليوم التالي، فتح بكر درج مكتبه وأخرج مظروفًا قديمًا كُتب عليه: وصيّتي.
قال:
— كنت أراه كلّ يوم، لأتذكّر الموت.. فأبقى حيًّا.
ثم أضاف وهو يستعدّ للرحيل:
— لا تصدّق السفير. الوطن، رغم كلّ شيء، يظلّ وطنًا.
غادر بكر، وبقي المظروف عالقًا في ذهن صهيب.
حلّت الجمعة الأولى. أذّن للفجر.. ولم يأتِ أحد. صلّى وحده.
وقبل الجمعة، غلبه الخوف، فتوجّه إلى مسجد بعيد. وحين عاد، واجهه الزملاء باللوم:
— حُرمنا صلاة الجمعة بسببك!
تحت الضغط، وافق على الخطبة التالية. اختار واحدة بعنوان المحافظة على الصلاة.
صعد المنبر مرتجفًا. خانته قدماه، وتعثّر صوته. قرأ الكلمات قراءةً باردة، ثم انتهت الصلاة في صمت ثقيل.
عاد إلى غرفته وقال بحسم:
— لن أفعلها مرّة أخرى.
وتغيّب عن المسجد أيّامًا.
في ليلة متعبة، رأى والده في المنام، يناديه بصوت خافت:
— لا تترك المسجد.. فالنجاة هناك.
استيقظ مطمئنًّا. توضّأ، وذهب قبل الفجر. أذّن، فجاء رجل واحد: الدمرداش، معاون الخدمة.
قال له بعد الصلاة:
— لا تتركنا. نحن نُصارع ما نراه كلّ يوم.
ابتسم صهيب وقال:
— إن شاء الله.
هذه المرّة قرّر أن يكتب بنفسه. كتب عن الصحابة، عن أبي بكر الصدّيق، عن الثبات لا العصمة. كان يكتب وكأنّه يعتذر لنفسه.
في الجمعة التالية، ارتبك قليلًا، ثم تماسك. استقرّ صوته، ورأى الفهم في العيون. وقبل أن ينهي، لمحهم بموضوع الخطبة القادمة.
بعد الصلاة، صافحوه بحرارة. صار اللقب رسميًّا: الشيخ.
ومعه، صار أكثر حذرًا من نفسه.
حين تسلّم أوّل راتب، وضعه كاملًا في مظروف، ودوّن رقم هاتف زوجته، وأرسله إلى القاهرة.
وحين وصلها الاتصال:
— حضرتك زوجة الشيخ صهيب؟
سكتت طويلًا، ثم قالت بهدوء:
— نعم.
عاد الدمرداش وأخبره بوصول المظروف.
فتح صهيب درج مكتبه، أخرج ورقة بيضاء، وكتب وصيّته، ثم وضعها في مظروف وأعاده إلى الدرج.
لم يكن يخاف الموت..
كان فقط يخشى اليوم الذي قد ينساه فيه.
طارق الحلوانى
يناير ٢٠٢٦
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .