الجمعة، 25 يوليو 2025

تراتيل السلام الخفي بقلم الراقية نور البابلي

 تراتيلُ السَّلامِ الخَفي


في صَمتٍ يسبقُ اللغة،

تُشرقُ في داخلي نبوءةُ السَّلام،

لا كأملٍ يُرتجى،

بل كيقينٍ يولدُ من رمادِ المعنى…

سلامٌ ليس نقيضَ الحرب،

بل انحناءةُ الروحِ أمام سرِّ الوجود،

حيثُ يصيرُ الزوالُ مرفأً،

والفراغُ مرآةً تنعكسُ فيها ملامحُ الأبد.


أُصغي لصريرِ الصمتِ في أعماقي،

لنبضٍ يهمسُ أن الطمأنينة

هي فنُّ الذوبانِ في الآن،

حيث الماضي ظلٌّ بلا جسد،

والمستقبلُ حُلُمٌ لم يكتسبْ اسمًا بعد،

وما بينهما نَفَسٌ واحدٌ

يُنزلُ القلبَ عن عرشهِ ليرقصَ في فضاءِ الله.


أُبحرُ في لجَّةِ الذاتِ حتى ينكسرَ الأنا،

وأتلاشى في ملوحةِ الدهشة،

فأُبصرُ أنني لم أكن يومًا سوى شهقةٍ أبديّة

خرجت من رحمِ الغيب،

وعادت إليه،

كحرفٍ صامتٍ يُكملُ قصيدةَ الوجود.


أُلامسُ ندوبَ الروحِ بأصابعِ القَبول،

فأفهمُ أن الألمَ معلمٌ خفيّ،

يُفتّتُ حجارةَ الكبرياءِ

ليتفجّرَ نبعُ اللينِ في داخلي،

وحين يلينُ القلبُ،

يُبصرُ في كلِّ فقدٍ ولادةً،

وفي كلِّ موتٍ عرسًا خفيًّا.


أتأملُ خوفي كحارسٍ عجوز

يقفُ عند بابِ القلب،

فلا أطردهُ ولا أصادقه،

بل أعبرُهُ كعابرِ سبيل،

وأفهمُ أن ما أخافُهُ

ليس إلا صدى رغباتٍ لم يكتملْ ربيعُها،

أو مرآةً تعكسُ صورةَ ذاتٍ

ما زالت تتعلّمُ النسيان.


أستلقي في حضنِ اللحظةِ

حتى يتبخَّرَ وهمُ الزمن،

فأصيرُ بلا بدايةٍ ولا نهاية،

نقطةً من نورٍ معلّقةً بين الأرضِ والسماء،

حيثُ تُدركُ الروحُ أنَّ السلامَ

ليس غيابَ الصراع،

بل هو الحضورُ الكاملُ وسط العاصفة،

كعينِ الإعصارِ الهادئةِ

التي لا يمسّها الفناء.


وهناك… في ذلك السكونِ

الذي يشبهُ صلاةً بلا كلمات،

ألتقي بنفسي عاريةً من كلِّ هوية،

فلا يبقى إلّا همسُ الحقيقة:

«أنتِ لستِ ما تملكين،

ولا ما تفقدين…

أنتِ ما يبقى حين يسقطُ عنكِ كلُّ شيء».


وفي الصمتِ الأخير،

أكتشفُ أنَّ السلامَ

ليسَ طريقًا أمشيه،

ولا غايةً أصلُها،

بل هو أنا…

حين أسقطُ عن كتفيَّ

أثقالَ الأمسِ وغبارَ الغد،

وأعانقُ روحي

عاريةً من كلِّ سؤال،

ساكنةً كندى الفجر…

في حضنِ الوجود


      نور البابلي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .