الاثنين، 7 يوليو 2025

كلام في جغرافيا الحزن بقلم الراقي طاهر عرابي

 “كلام في جغرافيا الحزن”


في هذه القصيدة، أفتح نافذةً على واقعٍ عبثيّ، غارقٍ في التيه والخذلان.

بين نجومٍ مبعثرةٍ في وضح النهار، ومنافٍ تبتلعُ الحالمين،

أنسج مرثيةً للكرامة المسلوبة، وللوعد الذي لم يتحقّق.


ليست مجرّد كلمات عن الفقد،

بل شهادة على زمنٍ تتصارع فيه الحقيقةُ مع الوهم،

والمحرومُ مع المستبد، والمنفيُّ مع ذاكرة الوطن.


في خضمّ هذا الصراع، أتساءل:

أين ينامُ المهزومُ في هذا الزمان؟

وهل بقي متّسعٌ للحلم في جغرافيا الحزن؟

سبعٌ وسبعون عاماً مرّت،

والمجيبون ما زالوا يوقدون فينا النار… لنَتبخّر.

لا لغيمةٍ،

ولا لغبار،

ولا لهُبابِ الفحم.

كُنّا… ولم نكن،

وما كانوا فكانوا.



كلام في جغرافيا الحزن

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – 30.04.2024 | نُقّحت في 07.07.2025


آيتها النجومُ التي بعثروكِ في وضح النهار،

من يُحصِكِ متَّهَمٌ منبوذٌ،

تتلقّفه أجهزةُ الإنذار من السماء،

وتُوزَّعُ عليه الاتهاماتُ

كما تُوزّع عضّةُ الظلام على نوافذ البيوت.


ما أبشعها، تلك الثقةُ المغمورةُ بالوحل،

حين نتلعثمُ في نُطقِ الأمنيات!

سنبقى منحنين على ترقّبِ النهضة المستحيلة،

محرومين من نيل الغايات.


بدايتُنا الأولى كانت ذلًّا،

عند مشرقِ الضجر، تحت ظلال الخيام،

خيامٌ وتقشّفٌ،

وكلُّ مَن حولنا وصيٌّ علينا

من تحت ستارٍ منسوجٍ بالوهم.


أتذكّرُ ترفَ الأبقارِ في طَعم العلف،

ونحن نُساقُ نحو الخَرَف،

في كتابٍ سُرقتْ منه الكلمات،

وعُلِّقَ فيه الحرف.

يا ليتنا نصنعُ الخوفَ… لكي لا نخاف.


كانت غايتُنا الخروجَ من ألفِ جحيم،

برفقةِ شعاعٍ منكسرٍ تحت جسرٍ خفيٍّ

سمّوه “الوفاق”،

الكلُّ عليه: مسكينٌ وشحّاذ،

ومن يُقفلُ بابَه ولا يقتنعُ

أن الشمسَ قد تعود،

صرخَ في نفسهِ حتى تلاشى صوته، واختنق.


قد أبحروا بعد أن ثقبوا القارب،

وتوسّلوا للأمواجِ أن تمنحهم البقاء.

لم نعد نحلمُ بالسكينة،

تبعثرنا، ونكابر،

ننتظرُ خبرًا يخلّصنا من البلاء.


نحن في قلبِ زوبعةٍ

حملت حجارةً وآمالًا ملغاة

من حساباتِ الفصولِ الأربعة.


لا يهمُّ الغرباءَ إن وصل الخريفُ أو الشتاء،

ولا يعنيهم صعودُ المراكبِ إلى القمر

وهم يزحفون على الأرض.


نصبر،

لعلَّ للصبرِ منافذَ

في عتمةٍ لا تشكو من تأخُّر الضوء.


ما هو آتٍ… قد جاء.

وصلنا إلى مقام المهزوم،

واختلفنا على مَن نلوم.

لم نُخَيَّر إلا بين الموتِ والهرب،

فكلاهما نُزهةُ الضائعين.


قال صاحبُ البحر،

من علبةِ السردين الأخيرة:

“أنا ذليلٌ، وأخشى الكرامة

في وطنٍ يرفضني

بقُصوره وغباءِ مستعمريه.”


وقال صاحبُ الترف:

“اصبروا علينا،

فالهدفُ كان الرجولةَ… في نهاية الليل!”


هل يتساوى المالكُ مع المحروم؟

عيشوا كما تشاؤون:

غرباءَ، مشرّدين،

موتى، أو مسجونين.


ولكم طريقٌ مفرَّغٌ من الرغبات،

وحسابُ أيامكم باللون الأصفر،

يذوبُ في الرمل.


تتلونون بلونِ الحياء المستورَد،

نكابدُ معكم،

فلولاكم، ربما ذقنا طعم السعادة!


لقد تبدّلت بصماتُ الأصابع،

واختفت الملامح

مع تَعلُّمِ اللغات.


نصرخ:

يا عرب، أين الوعد؟

ونُعيد الزعتر في عُلبٍ غريبة،

كحبوبِ الذكرياتِ القاتلة،

نُهتف:

“مثل زعترنا الذي مات،

وبقي طعمه عالقًا

في سماء فلسطين.”


طفنا حول المقدّسات منكّسين الرؤوس،

ولم نجد دعاءً يُلبّى بالمجان.

هاتوا قارئةَ الفنجان،

لقد تعبنا،

وفاتَ الأوانُ على نُطق الحجر.


أين ينامُ المهزومُ في هذا الزمان؟


صدقوني:

جريمةُ الغفلةِ هي سرقةُ الزمن،

وجمالُ اليقظةِ

هو الإمساكُ به.

سنمسكه قبل طلوعِ الفجر،

فالقهرُ عنوانُ الغائب،

والنصرُ عنوانُ الشعوب.


لا تنتظر الكرامة تأتيك في عُلَب.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .