الجمعة، 25 يوليو 2025

الضوء من معصميها بقلم الراقي طاهر عرابي

 "الضوء من معصميها" 


العبور لم يكن يومًا مجرّد انتقال بين ضفّتين،

بل كان — بالنسبة لي — تجربةً وجودية

تستحضر أسئلةً أعمق عن الغربة، والزمن، والمعنى.

في كتابتي، أحاول أن أمزج بين السرد الرمزي والتصوير الشعري،

لأخلق عالمًا يتماهى فيه الإنسان مع الطبيعة:

حيث يغدو النهر كائنًا حساسًا،

والعصافير نذيرًا غامضًا،

والضفاف شهودًا على أحزانٍ لا تُقال.


وقفتُ على الجسر لا كعابر سبيل،

بل كمراقبٍ تلتقط حواسّه همسات المخلوقات من حوله، بين الحيرة والانجذاب.

ظهرت “رنا” — لا كشخصٍ فقط، بل كرمزٍ للجمال الذي يُربك، والحياة التي تُستفَزّ،

والفنّ الذي يعيد تعريف الحزن والفرح معًا.

فهل كنت أعبر الجسر… أم أعبر نفسي؟



الضوء من معصميها


(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – 28.03.2023 | نُقّحت في 25.07.2025


كلّ ما أردتُه

هو أن أعبرَ جسرًا،

من طريقٍ إلى طريق،

لا غايةَ لي إلّا أن أمضي،

كما تمضي الرياحُ في شجرةٍ لا تسألُ

أوراقَها عن وجعِها إنْ تألّمت،

وكما يجري النهرُ،

لا يدري أينَ المنعطف،

وهل يسقي الطيورَ…

أم يُغري الشجر.


كنتُ واثقًا

أنني لن أُثيرَ اهتمامَ أيّ كائن،

فالنهارُ نفسُه

يمضي بلا اكتراث، لا يلتفت،

ولا يسلّم عليّ،

كما تفعلُ الغيومُ حين تخجلُ من توسّلي،

فتمطرُ وتُبلّلني…

وكأنني توسّلتُ كمذنبٍ،

لا يليق به النقاء.


أنا،

الذي لا يتعبُ من ضوءِ الشمس،

ولا يطلبُ البحر،

حتى وإنْ لم يكنْ في طريقي بحر.

مقتنعٌ أنَّ البهجةَ مسألةُ وقت،

هي مَن تأتي…

ولو كنتُ نائمًا،

أو مستلقيًا على شاطئٍ لا أعرفُ اسمَه.


لديّ حرص،

فكلُّ شيءٍ في الحلم ليس وهمًا،

وكلُّ وهمٍ كان حلمًا فاندثر،

مثل شهابٍ عابر.

أحرص،

وأرتبكُ من هجرةِ الأسماك،

إنْ خرجتْ من بحرٍ إلى بحر،

ونستْ مكانَها الأول،

كما ينسى عصفورٌ

كيف وقعَ في النهر،

ولماذا… ظلّ يبكي دون جُرحٍ ظاهر.


فلنقل:

هذه بهجتي. أنا الحريص،

وانتهى القلقُ على عتبةِ الشفاه.


أنا،

الذي لا وصايةَ له على أحد،

ولا ولاءَ لما يسكن أمامي أو خلفي،

أو في غرب الأفق.

كنتُ أمشي دائريًا، أُرضي نفسي

بخداعٍ شفيف،

لكنني أرتجف

من وشايةِ الأفكار

التي تلتهمُ أحاسيسي… ولا تتوقّف.


العصافيرُ أنهتْ أحاديثَها ومشاوراتِها

فوقَ درابزين الجسر،

وألقت إليّ نظرةً

كأنها تحذيرٌ في هيئةِ حب:


“سيندثرُ المنعطفُ الأخير

قبل أن تصلَ إليه.

كان خبزُ المظلومِ في قيمتِك،

وتصدّقتَ برداءِ شفتيك للمطر،

لكن الطريقَ سيُغرقُك بالوحل.

احملْ حجرًا، أو قناعًا،

واصنعْ من الكلمات

ما يشبهُ الحريّة.

لديكَ بعضُ الوقت…

نادِ حبيبتَنا، رنا.”


فزعتُ: من تكونُ رنا؟

ولِمَ هذا التهديد،

بعدَ مشاوراتٍ ظننتُ أنها في غايةِ الروعة؟

لو جاءتْ رنا،

لن تجدني في هيئةٍ تليقُ بالفرح،

أقسم.


لكن النهرَ كان يختبئ تحتَ الجسر،

واهتزَّ… وقال لي، متألّمًا:


“ألم تشعرْ

أنَّ خطواتِك تؤذي صفائي؟

أيها العابر،

هل تظنُّ أن الصفاء

حكرٌ على البشر؟

كنْ مسؤولًا عن آثارِك،

حتى في عبورِك العابر.”


على الضفاف،

كان الحزنُ يتساقط،

يتلقّفه الحصى،

وتنقله جذورُ الأشجار

خشيةَ أن يوقظَ في النهرِ رعشةَ الأجل.


أدركتُ بفطرتي

أنّ الأشجارَ تُصلّي للنهر،

وأنّ حبًّا خفيًّا يربطها به،

حبٌّ لا يحتاجُ إلى إثبات.


سمعتُ النهرَ يُصارح الزهور:


“أنا مرتعبٌ

من دبيبِ رجلٍ متلهّفٍ للقاءِ رنا وعَبر.

لن أعدَكم بالفراشات،

ولا أضمنُ موعدَ الأزهار.

دعونا نحتفل

بعيدِ الحزنِ المشترك.

أبلغتُكم ما سيحدث،

ستمطر كما تستهزئ بنا السماء،

ولا رادعَ للقدر.

فلنجعلْه مفاجأةً للغافلين.”


شعرتُ بالعجز.

همسوا بعيدٍ للحزن،

وأنا الذي ما زلتُ أتعثّر

بأسئلةِ الكراهية:

هل أكره؟

أم أنني أخشى الجواب؟


وقفتُ طويلًا، كأنني رسّامٌ

أدركتْه فكرةٌ عبقرية،

ونسيَ ألوانه.

ضحكتُ من نفسي:

كيف أرسمُ عيدَ الحزن

وأنا بلا ريشة، بلا ورق،

وبلا صفيحة

أمزجُ بها البنفسجيّ بالأحمر الورديّ؟


همستُ:

سأرسمُ على صدري لوحةً أبدية،

نهرٌ يتلوّى بالحزن،

ونباتاتٌ تتوسّلُ للفراشات.

صدري سيكونُ اللوحة،

وأمّا الألوان… فقد خذلتني،

حين صار اللونُ أنا،

في وجهي، في اختيار اللحظة.


فجأةً، عبرتْ فتاةٌ مستعجلةُ الخطى.

صرختُ:

“مهلًا!

ألا تعلمين أن الجسر يهتزّ؟

أنّ النهرَ يتألّم؟

وأنّ السماءَ ستمطر بحرية المجنون؟

اليوم… هو عيدُ الحزن!”


ثم سألتُ، متلعثمًا:

“هل أنتِ رنا؟

من يذكرُ الجسرَ والنهرَ والورد؟”


كانت هي… رنا، التي

لم أجرؤ على حبّها،

لأنّ الجمالَ مخيف،

والجمال لا يُوثَق به،

إذا كان العاشقُ غارقًا

في حوارِ الأرق.


قالت:

“لم أسمعْ صوتَ النهر،

ومنذ عشرين عامًا

أعبر هذا الجسرَ دون أن ألتفت،

والوردُ الذي ذكرتَ… هو منّي.

لكن ارسمْه،

ارسمْه وهو يتألّم،

لو كنتَ تعرفُ كيف تكذب.


وقاوِمِ البردَ في هذا الشتاءِ،

إن كانت في عينيكَ مدفأةُ الرجاء،

وإيّاكَ أن تعبثَ بسكينةِ الرياح،

إنْ مالتْ على أكفانِ الزوبعة.”


تنهدتُ، وقلتُ بحسرة:

“لا أملكُ ريشة،

ولا فكرةً عن أعيادِ الحزن،

ولا حتى كذبةً تليقُ بلوحة.”


فقفزت،

وعادت تحمل بيديها وحلًا بنيًّا،

وقالت:

“ارسمْ بإصبعك،

قبل أن تفقدَ الفكرة.

للفنانين لحظاتٌ

حين تموتُ الفكرةُ في قلوبهم

تضيعُ آلافُ اللوحات.

أخشى عليكَ الانهيار…

الذي يؤلمني.”


ضحكتُ:

“لقد التقينا بالجمال…

لن تفرّقنا الألوان،

فهي في العيون.

أنا من بالغَ في فهمِ النهر،

فصارتْ رنا… جدولِي،

وماءَ عينيّ.”


غمستُ أصابعي بالوحل،

ورسمتُ على صدري

قلبًا

يخترقُه جدول،

وتدورُ حوله فراشات،

وبعضُ أطراف الغيوم،

وجسرٌ معلّقٌ بين شفتين.


أمسكتُ بيد رنا، وقلتُ للنهر:

“أرجوك… ألغِ عيدَ الحزن،

وأعلنِ البهجة،

أعلنْها من منبعك

حتى مصبّك.

لقد وجدتُ الجمال…

في انتمائِه للحياة،

بخاصرةٍ من رحيق

لن ترسمَه ريشة،

حتى لو كانتْ من رموشِ العين.”


ولو جلسنا على الجسر،

لو تركنا أقدامَنا

تلامسُ النهر…

خذيني إليكِ،

خذي كلَّ ما لدي،

فالقبلة

خيرُ ما نحملُه إلى الأرض،

حين يشعرُ الحنين

بنفَسِ العاشقين.


ابتسمتُ، وقلتُ:

“أنتِ أنا،

لا يؤلمُ فينا سوى الكلام،

حتى ولو كان مديحًا للوئام.

حوّلي صوتَكِ إلى أثير،

لأفهم كيف تعيشُ الطيور،

وكيف ينضجُ الرمّان

من زهر الرمّان… بلا حقلٍ ولا بستان.”


اقتربتُ أكثر، كأنني أُنشد:

“أنتِ أنا…

فارحمي لسانَكِ،

فهو من دمِنا،

لا من طحينِ الملهوفين.”


قلتُ:

“خذيني يا رنا جدارًا بلا شُبّاك،

وافتحي لي طاقةً أراكِ منها.

لن يكونَ ضوءٌ

أجملَ من بريقِ عينيكِ،

وأنتِ تردّينَ لروحكِ أمانيها.”


سكتُّ… ثم همستُ:

“العتمةُ تقتل مرتين:

حين يأتيكِ ضميرُكِ حزينًا،

يتسلّل في تلافيفِ دماغِكِ،

وحين تعترفين…

أنكِ كنتِ دائمًا… أنا.”


شدَدتُ يدَها،

وقلتُ:

“إنّي أرى الضوءَ يخرجُ من معصميكِ…

أعطيني منه ما يبقى.

أنتِ أنا،

ألمٌ مرسومٌ على كتفي،

لا تتركيني أميلُ حيث لا حنين.

لم نكنْ غرباء…

كي نتصالح.”


رفعتُ رأسَها، كأنني أمنحُها جناحين،

وقلتُ:

“افتحي جناحَكِ… وادخلي.

لن تُغلقَ السماء

في وجه طيرٍ صادق.

نحن من دمٍ واحد،

ومن ثديٍ قد أرضعَ الأرضَ بهجة،

فكيف تفارقيني،

وكلُّ شيءٍ لنا…

من قبل أن يولد، حتى الفِراق؟”


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .